معارك جغرافية .. من محاضرات الدكتور يوسف فايد

مصطفي بك عامر

مصطفي بك عامر

كتب : عاطف طعمة *

المعركة الأولي … بين الجغرافيين و أصحاب الطبيعيات و الإنسانيات البحتة

المعركة الثانية … بين المذهب الحتمى الجيو قراطى و الاختيارى الأنثروبوقراطي

دور الجامعات بعد هذه الصراعات .. تعيين أول أستاذ مصري للجغرافية

دور الجمعيات الجغرافية بعد هذه الصراعات ومظاهر الدراسات الجغرافية في القرن العشرين

لقد شهد علم الجغرافيا معركتين شديدتي الوطء كانتا بمثابة نقطة التحول في مسار الفكر الجغرافي  وتعدد فروعه ومدارسه ، حيث كان من نتاج هذه المعارك تفرع علم الجغرافيا علي النحو الذي نراه الآن  إلى فرعين رئيسين أحدهما طبيعي والآخر بشري وإلى مدارس متعددة منها الحتمي والاختياري والإقليمي  وهاتان المعركتان أو نقتطا التحول لابد أن يلم بهما دارس الجغرافيا أو علي الأقل يكون علي قدر متواضع  من العلم بهما ؛ حتى يتعرف علي المنابع العليا التي أدت إلي فروع هذا العلم الذي سوف يتذوق ماءه العذب الفرات وما سوف أعرضه هو قليل من كثير قرأته في كتاب ( الأسس العامة للجغرافيا ) للأستاذ الدكتور ( يوسف عبد المجيد فايد ) ، فقد عرض هذا الموضوع بإيجاز شديد وبطريقته الرائعة في عرض الموضوعات الصعبة بطريقة سهلة وبذلك الأسلوب العلمي المتأدب حتى إنك إذا ما شرعت في قراءة سطر من موضوعاته أخذك أسلوبه الجميل إلي نهاية الموضوع دون كلل أو ملل يدفعك في ذلك دقة العرض وبساطة المفردات وروعة الأسلوب .  والآن تعالوا نفتح صفحات تاريخ هذا العلم ونبدأ القصة من أولها.

المعركة الأولي … بين الجغرافيين و أصحاب الطبيعيات و الإنسانيات البحتة

كانت الجغرافيا هي الأم لعدد كبير من العلوم ، ولقد كان التراث العربي أساس علم الجغرافيا الحديث في القارة الأوروبية ابتداء من عصر النهضة الأوروبية . ولكن بالتدرج خرج من هذه الأم عدد كبير من العلوم ، وأخذت الموضوعات الطبيعية الصرفة تبتعد شيئًا فشيئًا عن الجغرافيا ، فانسلخت الجيولوجيا عن الجغرافيا حوالي سنة 1690م ولكنها ظلت علي هامش الجغرافيا تخدم الجيمورفولوجيا ، ووصلت المساحة إلي مرتبة من الدقة بحيث لم تعد من عمل الجغرافيين ، بل أصبح يعهد بها إلي مهندسين مدربين لهذا الغرض ، وكذلك علم المترولوجيا بحكم قرابته الوثيقة للديناميات وفروع علم الطبيعة الأخرى خرج من علم الجغرافية وظل علي هامشها يخدم الجغرافية المناخية.

بل أن بعض الإنسانيات أخذت تنسلخ من أمها الجغرافية مثل علم الاجتماع الذي خرج من شجرة العلوم الجغرافية في أواخر القرن التاسع عشر علي أثر نشر Leplay لأبحاثه في الظاهرات البشرية البحتة. وهكذا كانت المعركة الأولي التي تعرض لها هذا العلم العجوز معركة شنها علماء الظاهرات الطبيعية البحتة كالجيولوجيا والمترولوجيا ، وعلماء الظاهرات البشرية البحتة كالاجتماع والاقتصاد . فاستقل أولئك وهؤلاء بعلومهم ، ولكنهم ظلوا في خدمة أمهم يقدمون لها ما تحتاجه من معلومات ، ورغم انسلاخ هذه العلوم العديدة بقيت للجغرافيا نواتها التي نمت حولها الجغرافيا الحديثة ، وسرعان ما أعاد هذا العلم تكوين نفسه ونظم صلته بالعلوم الأخرى.

المعركة الثانية … بين المذهب الحتمى الجيو قراطى و الاختيارى الأنثروبوقراطي

يتفق الجغرافيون علي أن همبولت Humboldt هو أبو الجغرافية الحديثة فقد قام برحلات عديدة خلال أمريكا الوسطي وأمريكا الجنوبية في السنوات الأولي من القرن التاسع عشر ثم خلال روسيا وسيبريا سنة 1829 ، ووصف رحلاته في أربعين مجلدًا . وكان همبولت أول من رسم خطوط الحرارة المتساوية ، وأظهر في دراساته اعتماد الإنسان علي بيئته . وبذلك نشأت المدرسة ( الجيوقراطية ) التي تقول بأن الأرض تلعب دورًا كبيرًا في تحديد نوع الحياة التي تقوم في الإقليم ، و( المذهب الجيوقراطي ) امتداد ( للمذهب الثيوقراطي ) ، فكلاهما يقول بالحتم والجبر، و ( الذهب الثيوقراطي ) معناه الحتم الطبيعي أو سلطان الأرض علي الإنسان ، وكلاهما من وجهة نظر الجغرافي بمعني واحد لأنهما يعطيان لسلطان البيئة كل شئ ، ويعطيان للإنسان لا شئ.

وقد ازدادت ( النظرية الجيوقراطية ) حدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لأن هذه الفترة امتازت باهتمام الناس بتطور الأحياء نباتًا كان أو حيوانًا أو إنسانًا. ونادى علماء الحياة وعلي رأسهم ( دارون ) بأهمية البيئة والتغيرات البيئية ، وقد كان لهذا صداه في علم الجغرافية فقام ( راتزل ) في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يرعى (النظرية الجيوقراطية ) . ولكن كان هذا إيذانًا بقيام المعركة الثانية في تاريخ الجغرافية الحديثة وهي المعركة التي أدت الي قيام ( النظرية الانثروبوقراطية ) أو نظرية سلطان الإنسان ، ولكنها لم تكن كالمعركة الأولى بين الجغرافيين وببين خصومهم من أصحاب الطبيعيات البحتة والإنسانيات البحتة ، بل كانت بين أبناء البيت الواحد ، بين الجغرافيين من أنصار سلطان البيئة ( المذهب الجيوقراطي ) وبين الجغرافيين من أنصار سلطان الإنسان ( المذهب الأنثروبوقراطي ) ، أي نشأ ما يسمى بمذهب الحتم ومذهب الاختيار.

دور الجامعات بعد هذه الصراعات .. تعيين أول أستاذ مصري للجغرافية

وقد أخذت الجامعات منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر تعني بالعلوم الجغرافية ، وكان الألمان أسبق الأمم في هذا المضمار ، لأن Ritter شغل كرسيًا للجغرافية في برلين سنة 1870م ، ولم تأت سنة 1886م حتى كان في ألمانيا اثني عشر أستاذًا للجغرافيا ، ويأتي بعد الألمان الفرنسيون ، فقد كان لديهم في نفس الفترة حوالي اثني عشر أستاذًا للجغرافية . أما انجلترا فأنها لم تعن بتدريس الجغرافية الحديثة في جامعتها إلا سنة 1878 ، إذ في هذه السنة عين مدرس للجغرافية في جامعة ( أكسفورد ) ، وفي العام التالي عين مدرس للجغرافية في جامعة ( كمبردج ) . وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر تأخرًا فلم يعين أول أستاذ للجغرافية بها إلا سنة 1900م . ثم نجد أن أول أستاذ للجغرافية في استراليا سنة 1920م ، وفي كندا سنة 1935م ، وهي نفس السنة التي عين فيها أول أستاذ مصري للجغرافية هو الاستاذ مصطفي بك عامر والذى يعتبر مؤسس المدرسة المصرية الجغرافية .

دور الجمعيات الجغرافية بعد هذه الصراعات ومظاهر الدراسات الجغرافية في القرن العشرين

والي جانب الجامعات قامت الجمعيات الجغرافية ترعي هذا العلم . ومما هو جدير بالذكر أن الجمعية الجغرافية المصرية أنشئت عام 1875م ، في حين أن الجمعية الجغرافية الأمريكية لم تنشأ إلا في عام 1904م . وهكذا أخذت الدراسات الجغرافية في القرن العشرين مظاهر خاصة ، منها أن ( المدرسة الجيوقراطية ) أصبحت تقوم علي أساس من الفهم الصحيح للبيئة الطبيعية بحيث جعلت من الحتم الجغرافي قاعدة علمية سليمة ، وظلت ألمانيا معقل هذه المدرسة ، فمع أن ألمانيا عنيت بالاتجاه الإقليمي فيما بعد ، إلا أنها بحكم كونها موطن ( راتزل ) مؤسس هذه المدرسة لم تستطع أن تتخلص من نفوذ أتباعه . ولكن ما كاد القرن التاسع عشر ينتهي ويبدأ القرن العشرين حتى كانت ( المدرسة الأنثروبوقراطية ) أو مدرسة الاختيار قد وقفت علي أقدمها بحيث أصبحت تنافس الحتميين . وكان موطن مدرسة الاختيار فرنسا ومؤسسها ( فيدال دى لابلاش ) Vidal de Lablache  و ( جان برون )    Jean Bruhns ثم ظهرت المدرسة الإقليمية والذين حملوا لواء هذه المدرسة هم الأمريكان ، فانتشرت فكرة هيئة الأرض Landscape  في كل أجزاء الولايات المتحدة.

وتطرف بعض أئمة الجغرافية من الأمريكيين في آرائهم فقالوا إن الجزء غير المسكون من سطح الأرض لا يدرس جغرافيا  إلا من ناحية مدي منفعته للإنسان ، كما قالوا إن البيئة ككل أكبر أهمية من أجزائها ، وفي دراسة البيئة ينبغي أن تنصرف عناية الدارس إلي تأثير ظاهرتها في الإنسان ، أي لا تدرس البيئة لذاتها ، فتكون الدراسة الإقليمية ممثلة للتفاعل بين الظروف الطبيعية وبين الظروف البشرية ، وبذلك اعتبر الأمريكان الجغرافية الإقليمية نواة الدراسات الجغرافية كلها.

ومن طرائف الجدل في هذه الناحية أن أنصار الحتم البيئي قالوا إن اتجاه الفرنسيين نحو نظرية الاختيار واتجاه الأمريكان نحو النظرية الإقليمية لهو أكبر دليل علي سلطان البيئة في تشكيل عقول أولئك وهؤلاء ، فلم يتجه الفرنسيون إلي نظرية الاختيار إلا لأنهم يعيشون في بيئة متحضرة تعتبر نموذجًا للنشاط البشري ، استغل الإنسان فيها كل شبر من الأرض ، ودل بذلك علي قوته وسلطانه ، ولكن هذا لا يصلح مقياسًا لسائر بلاد العالم . كما لم يتجه الأمريكان للدراسات الإقليمية إلا لأنهم كانوا يعيشون في إقليم أغلبه مجهول ، فوجهوا دراساتهم نحو أجزاء الولايات المتحدة يدرسونها دراسة إقليمية بقصد نشر العمران بها واستغلالها . أي أنه حتى بيئة البحث العلمي كانت متأثرة بالبيئة الطبيعية.

—————

* كاتب مصرى

تعليق المدون :

من علم الجغرافيا نشاءت العديد من العلوم نتيجة النهضة والتقدم الناتج عن التخصص العلمي  و لا يعنى ذلك الاستقلاليه لان صفة العلوم التكامل , و رغم ما قامت النهضة الأوروبية  بتقسيم التراث الجغرافي  العربي الى فرعين  من تقسيم للعلوم إلا أنها لم تستطيع الاستقلال عن الجغرافيا لان جميعا أذا أردت ان تعيش وتزدهر  تحتاج الى الرجوع للعلم الأم  الذى جعل منها تخصص وهو علم الجغرافيا  و بالتحديد للعلم الذى يقف من خلفه وهو علم المعلومات الجغرافية الذي زاد الاهتمام باستخدامه بعد النهضة الأوروبية فى عصر المعلومات  و نجد فى دليل الجامعات التى تدرس المعلومات الجغرافية حيث علم الجغرافيا فى المقدمة بنسبة تزيد عن الخمسين في المائة بينما العلوم الأخرى وهى التخطيط وعلوم الارض والمساحة و الهندسة التى انفصلت اسميا وليس فعليا تمثل النسبة الباقية و بهذا تكتمل العلوم بالاعتماد على بعضها .

المصدر : خطوات

تدوينات مرتبطة:

 الجغرافيا وعلومها ومؤلفاتها عند العرب و المسلمين

جهاد محمد قربة: طبيعة الفكر الجغرافى و تطوره

المزيد:

كتاب الجغرافية فى القرن العشرين ترجمة محمد السيد غلاب ، محمد مرسى ابو الليل ، مراجعة إبراهيم أحمد رزقانة 

كتاب الجغرافية موضوعها و مناهجها و أهدافها تاليف صفوح خير

كتاب الجغرافيا و السيادة العالمية تاليف جيمس فيرجريف

كتاب الجغرافيا و الجغرافيون بين الزمان والمكان تاليف محمد محمود محمدين

كتاب الجغرافيا فى مائة عام تاليف ت . و . فريمان

كتاب الجغرافيا عند العرب تاليف شاكر خصباك

كتاب: اينشتين ..تطور علم الطبيعة

2 thoughts on “معارك جغرافية .. من محاضرات الدكتور يوسف فايد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s