“حول متغيرات المناخ ومصير الدلتا” للدكتور محمد رياض

كتب: محمد رياض*

خلال نحو عامين كتبت مرات عن تغير المناخ العالمي وما سوف تتعرض له الأراضي المنخفضة علي سواحل القارات‏,‏ وبخاصة دلتاوات نهرية عامرة من تأثيرات كارثية تدريجية‏,‏ وليس ألصق بنا وأهم من الحديث عن دلتا النيل التي تضم أكثر من نصف سكان مصر ريفا ومدنا‏.‏

موضوعات التغير المناخي ليست ضربا من التخمين العلمي لكنه استقراء علمي لعدد كبير من الشواهد والتسجيل الرقمي بالمليمترات‏,‏ ورسم كل أشكال النمذجة العالية والمتوسطة والمنخفضة علي مستوي الدوائر العلمية عالميا من أوروبا وامريكا إلي علماء البلاد النامية‏.‏

هذه الشواهد المرصودة تتراوح بين ذوبان جليد جرينلاند وانتاركتيكا وثلاجات الهملايا والألب والروكي وجبال المنطقة الاستوائية العالية في شرق افريقيا وأمريكا الجنوبية‏.‏ وتشتمل الشواهد أيضا علي قياسات ارتفاع سطح البحر بمتوسطات عالمية وتراكمات المياه نسبيا في مناطق بحرية معينة كالكاريبي وبحر الصين وشرق المتوسط‏.‏

وتشمل أيضا قياسات الأمطار وتذبذبها من الوفرة الي القلة في نطاقات العالم المطرية الاستوائية والموسمية وغرب العروض المعتدلة ونوعية فيضانات الأنهار‏,‏ وكمية أنواع العواصف والأعاصير بمسمياتها المختلفة مثل كاترين وغيرها‏.‏ وتشمل فيما تشمل دراسات انبعاثات الغازات الحارة الضارة بملايين الأطنان وتأثيرها علي الغلاف الغازي حول الأرض ومكونات الأوزون وغير ذلك‏.‏

الخلاصة أن الدراسات منوعة ومتعددة ومتتابعة وبالتالي فالنماذج المطروحة تعبر عن توجهات فعلية ليس فيها ايهام ولا تهويل كما جاء في مقال للدكتور فكري حسن‏(‏ الاهرام‏2‏ ـ‏9‏ الحالي‏)‏ لكن صلب المقال غير العنوان فهو يؤكد أن ارتفاع سطح البحر نحو متر واحد فوق الدلتا أمر قريب الحدوث‏(‏ من‏70‏ الي‏140‏ سنة‏)‏ وهو قياس زمني قريب فليس المتوقع أن يكون التغير المناخي شيئا طارئا كأنه إعصار فجائي‏.‏ كذلك يعتمد علي بحث واحد يقول إن تأثير جليد جرينلاند لا يتعدي المحيط الاطلنطي كأن المحيطات والبحار منفصلة عن بعضها رغم قانون الأواني المستطرقة‏!!.‏

ود‏.‏ فكري يتكلم لغة علمية حين يقول إن أمطار الحبشة قد تزيد أو تنقص‏,‏ وهو ما تؤكده الدراسات المناخية القديمة والحديثة من حيث تغير مفاتيح الضغوط الجوية‏(‏ مسببة الأمطار والجفاف‏)‏ وزحزحتها وانتقالها نتيجة عوامل عديدة ذاتية وفلكية‏,‏ مما أدي في الماضي البعيد إلي أمطار وفيرة حيث هي الآن الصحراء الكبري القاحلة‏.‏ وأخيرا يري تفاعلات مزدوجة بين نقص الطمي وانخفاض الدلتا أو ارتفاع البحر منذ فترة طويلة فأين الايهام ؟

كل هذه القراءات في النهاية تعكس حقيقة أن شمال الدلتا معرض للغرق ليس غدا بل بعد غد علي مقياس الزمن الطبيعي‏(‏ جيولوجي وفلكي‏)‏ وليس مقياسنا البشري‏,‏ فما بالنا وإن زاد النشاط البشري سرعة الزمن الطبيعي‏!‏

وفي الأهرام أيضا تحقيق مخيف‏(6‏ ـ‏9‏ الحالي‏)‏ ليس فقط حول ارتفاع سطح البحر وغرق بعض الدلتا ولكن كيف أن ارتفاع متوسط الحرارة عالميا درجتين أو ثلاثا وهو أمر لا نتخيله الآن سوف يترتب عليه نشاط فيروسي لأنواع قاتلة كالإيبولا والطاعون والحمي الصفراء مع نمو مستشر للحشرات والقوارض الناقلة لتلك الفيروسات‏,‏ وأن مقدمة هذا تظهر في عودة السل بصورة لا تجدي فيها العقاقير الحالية مع زيادة امراض الكلي والكبد والسرطان‏.‏

ولاشك أن مثل هذه الهجمة المرضية تجد مرتعا خصبا في السكن المدني الفقير‏,‏ حيث ينحشر آلاف الناس في بيوت متكدسة وغرف غير صحية مما يسهل انتشار العدوي كانتشار النار في الهشيم‏!‏ ومن ثم فالدعوة الي السكن الخلوي هي أمر غير متاح حتي في ريفنا المصري‏,‏ حيث تتكدس البيوت في مساحات محدودة حفاظا علي الأرض الزراعية‏,‏ وحيث يتشارك الناس مع حيوان وطيور الرباية وقوارض الحقول وحشرات وبعوض وهاموش‏!‏

فالأمر قد يبدو محتوما للفقراء في المدينة والريف فهل نحن بصدد نوع جديد من الموت الأسود الذي قضي علي نصف سكان العالم في العصور الوسطي‏,‏ وذلك رغم معارفنا الطبية والمعملية المتزايدة الحالية؟

ولا يقتصر الأمر علي انتشار الأمراض بل هناك تهديد حقيقي للنبات والحيوان بل والأسماك‏,‏ باختصار فإن اشكال الحياة البيولوجية التي اخترناها نمطا غذائيا كالقمح والذرة والدواجن والأبقار والأسماك‏,‏ أو تلك التي أصبحت نمطا للكساء كالقطن والكتان والصوف كلها تتعرض لأمراض النبات والحيوان منذ فترة طويلة ونحن نكافحها مع بعض النجاح وكثير من الفشل مثل انفلونزا الطيور‏.‏ فما بالنا لو اصابتها فيروسات متعددة مرة واحدة‏..‏ فأين المفر ؟

قد يبدو أننا نرسم صورة داكنة ولكن أول خطوة في إعادة الورود للحياة الاعتراف بواقع مؤلم نبدأ منه خطي النجاح في ابتكار أشكال جديدة من الحياة مع بيئة جديدة وبعض الخسائر كغرق شمال الدلتا‏.‏

*أستاذ الجغرافيا بقسم الجغرافيا جامعة عين شمس

المصدر:”الأهرام” المصرية

تعليق المدون:

من الحوض إلى دلتا الحياة  .. أجد الأعداء  يتجمعوا فعدو الأمن المائي  للحوض  و عدو  التقارير الغربية  لغرق الدلتا .

المتعلقات:

مسئول بـ “الأرصاد الجوية”: الحديث عن غرق الدلتا “خدعة سياسية” لتحريض دول حوض النيل على بناء سدود واتهم واشنطن بالوقوف وراءها

المزيد:

كتابات الدكتور محمد رياض

2 thoughts on ““حول متغيرات المناخ ومصير الدلتا” للدكتور محمد رياض

  1. التغير المناخي والاثار الناتجة عنه حقيقة لايمكن انكارها وعلى العالم ان يبحث بجد عن الحلول قبل فوات الاوان واسمحوا لي ان اطرح مقترح قد يساعد المختصين للوصول الى حل مناسب لهذه المشكلة التي تهدد الانسانية جمعاء وهو ان السبب المباشر للتغير المناخي هو ازدياد تركيز ثني اوكسيد الكربون في الجو بسبب النشاطات البشرة الصناعية وغير الصناعية هذا بالنسبة للمنتج من هذا الغاز وتناقص مساحات الغابات بشكل كارثي وهذا بالنسبة للمستهلكات لهذا الغاز وبرايي فان احد الحلول هو الاكثار من زراعة الغابات على مستوى العالم بدون استثناء اما بالنسبة للمناطق العربية فنحن بحاجة الغابات اكثر من باقي دول العالم لان بلادنا ذات مناخ حار جاف واغلب موادنا الغذائية نستوردها واقول انه علينا ان نشجر سواحلنا العربية كخطوة اولى وبعمق مناسب لان هذا يعمل على دخول الكتل الهوائية الرطبة االقادمة من البحار المحيطة بالبلاد العربية الى الاراضي المشجرة وتراكمها وهطولها على شكل امطار وهذا يعدل المناخ ويساعد على قيام زراعات مطرية تحقق الاكتفاء الغذائي الذاتي للمنطقة العربية وهذا سيؤدي الى توفير الكثير من فرص العمل وخاصة في بلد مثل مصر الكثيرة السكان وشكرا

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s