“أوكرانيا .. من العودة إلى حلول الوسط الى فشل الثورة البرتقالية والعربية” للدكتور عاطف معتمد

“يطرح الدكتور عاطف معتمد عبد الحميد ثلاث موضوعات عن أوكرانيا الأول فى بداية عام 2005  بعنوان  “أوكرانيا .. عوده الى حلول الوسط”  يتحدث فية من بداية سقوط الاتحاد السوفيتى وأستيقاظ أوكرانيا وبداية الانتخابات و تدخلات روسيا والولايات المتحده وحدوث تزوير ثم قيام  الثورة البرتقالية “العرض المسرحى” بنجاح  يلى ذلك  القاء  الضوء على الخريطة الاثنية واللغوية مع التحذير من حدوث حرب اهلية وعلى ما يحمل الغد والاجابة انه يحمل الحلول الوسط ويعود الكاتب مره اخرى فى بداية عام 2010  بعنوان “اوكرانيا ..لماذا تفشل الثورة البرتقالية”  فى مرحلة انتخابات جديده  ويتحدث عن أسباب فشل الثورة ويحذر هذه المره من وجود اسطول روسى فى المياه الاوكرانية ونظره على ما يحمل الغد لهذه الدولة المنعزلة ويرى انه يحمل دائما الحلول الوسط  والثالث عام 2005  بعنوان ” لماذا تتعطل الثورة الأوكرانية في العالم العربي!؟” يقارن بين الوضع العربى والاوكرانى”  .. أحمد مجدى

أوكرانيا.. عودة إلى حلول الوسط

– خريف كييف الغاضب
– الخريطة الإثنية واللغوية
– ماذا يحمل الغد؟
ستذكر الثلوج المتساقطة فوق رؤوس المتظاهرين في أوكرانيا أن قسوة ما هم فيه يرجع إلى أن روسيا دفعت مئات الملايين من الدولارات لدعمفيكتور يانوكوفيتش ليصبح رئيسا لأوكرانيا، بينما دفعت الولايات المتحدة أموالا مماثلة لدعم المعارضة برئاسة فيكتور يوشينكو.
لا تشعر موسكو بالخجل في هذه اللعبة، فواشنطن دعمت ماليا بوريس يلتسين ليتغلب في انتخابات الرئاسة الروسية عام 1996 على منافسه الشيوعي غينادي زيغانوف. كما أن الولايات المتحدة لا تقوم بعمل جديد، فالورقة التي ربحت بها في جورجيا عندما أطاحت بسياسي ماكر مثل شيفرنادزه آن لها أن تُجرب في أوكرانيا.
في نهاية العام 1991 حصلت أوكرانيا، بسبب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفياتي، على ما يمكن تسميته باستقلال “السكتة القلبية” الذي لم تكن مستعدة له، لا ببلورة أفكار التحرر القومي ولا ببناء تيارات سياسية تنعش الحياة بعد عقود راكدة خلال الحقبة السوفياتية.
ومن ثم احتاجت أوكرانيا عشر سنوات أخرى لتنضج بها في نهاية التسعينيات الأفكار القومية والليبرالية التي كانت قد ظهرت تائهة بعد الاستقلال، وكانت 13 سنة منذ الاستقلال هدنة كافية ليتجمع بعدها 200 ألف في ميدان الاستقلال بالعاصمة كييف رافضين تزوير انتخاباتهم وعازمين على تكرار النموذج الجورجي.
– خريف كييف الغاضب

كان الناخب الأوكراني أمام خيارين واضحين، اختيار يوشينكو الذي يعنى نجاحه تليين موقف الغرب تجاه انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، واندفاع الاستثمارات الغربية المتأهبة للسوق الأوكراني الضخم (أقل قليلا من  50 مليون نسمة)، وبالتالي رفع مستوى المعيشة وخلق اقتصاد سوق تحتاجه البلاد.

وأمام الناخب الأوكراني اختيار يانوكوفيتش الذي يضمن الوحدة المنتظرة مع الروس رفقاء التاريخ والثقافة، وذلك في مشروع اتحادي يفترض أن تنضم إليه روسيا البيضاء وكزاخستان لتكوين جبهة أوروآسيوية لا تقل تقدما –هكذا المأمول!- عن نظيرتها الغربية.
ووسط شهادات أوروبية وأميركية بتزوير الانتخابات مثل نجاح المرشح الحكومي والموالي لروسيا بمقعد الرئاسة خيبة أمل لمن بشّروا بعيد سقوط النظم الشمولية في أوروبا الشرقية من أن التاريخ الأيديولوجي قد انتهى لصالح الديمقراطية والرأسمالية.
وبعد أن حصلت أوكرانيا وغيرها من دول أوربا الشرقية على استقلالها حذر فلاديمير تيسمانينو -في بحثه التاريخي عن التطور السياسي لأوروبا الشرقية مطلع التسعينيات- من أنه “لا يجب أن يمرح بنا الخيال فنظن أن نهاية احتكار الأحزاب الشيوعية للسلطة ستؤدي حتما إلى ميلاد الديمقراطية، فلا بد أن يتبع عقود الكبت وقت كاف من الزمن يتوقف فيه خداع الجماهير الساذجة، حتى لا نجد أنفسنا ننتقل من طغيان الفرد إلى طغيان جماعات المصلحة”.
كان طغيان جماعات المصلحة في أوكرانيا هو السبب الذي دفع عشرات الآلاف من الأوكرانيين لرفض نتائج الانتخابات ووصفها بالتزوير، فقد رُميت الحكومة الأوكرانية على مدى السنوات العشر الماضية بتهم جسام أهمها:
* تكوين عشائر مافيوية تحتكر اقتصاد البلاد وتنسج مصاهرة بين رجال المال ورجال السياسة بما يحبس أغلبية السكان في مستوى من المعيشة لا يليق بتاريخ وعراقة أمة كأوكرانيا (تقول المعارضة إن 2% من السكان يحتكرون ثروة الشعب).
* تفريخ الأتباع في الجهاز الحكومي بحيث يظل مستقبل أوكرانيا يدور في دائرة استنساخ نفسه، وذلك لصالح رجال يستلمون السلطة من رؤسائهم شريطة ألا يحاسبوهم على ما اقترفوا من فساد وتجاوزات قانونية.
وما أقسى ما نشرته وول ستريت جورنال الأسبوع الماضي من أن رئيس وزراء أوكرانيا المرشح للرئاسة ينظر إليه “لا كمناصر لروسيا بقدر ما هو مناصر للعصابات الإجرامية، إن الرجل ليس سوى أل كابو في نسخته الأوكرانية، بل إن الرئيس كوتشوما –كما تقول وول ستريت- المتهم بالفساد والمنتهية فترته الرئاسية ليس إلا لاعبا مبتدئا مقارنة بخلفه المحترف” (في مقال بتوقيع أوكسانا زابوشكا بتاريخ 22/11/2004)
– الخريطة الإثنية واللغوية
تتسم أوكرانيا بخريطة إثنية ولغوية تصلح لإشعال فتيل الحرب الأهلية وقت الحاجة، إذ تتألف الدولة من 75% من الأوكرانيين و21% من الروس و4% من إثنيات أوروبية مجاورة، ويتحدث بالأوكرانية 40% من السكان وبالروسية 21% (وهم ذوو الأصول الروسية) إضافة إلى 33% من الأوكرانيين الذين يتحدثون الروسية نتيجة التأثر الثقافي المتتابع عبر عقود متتابعة من التاريخ القيصري والسوفياتي.
فى المقابل هناك نسبة تتراوح بين 1% و2% من الروس يعتبرون اللغة الأوكرانية بديلا لهم عن الروسية.
وهكذا فإن 55% من سكان أوكرانيا يتحدثون الروسية كلغة وطنية أو كلغة بديلة، وقد وضع بعض المراقبين قبل الانتخابات الأخيرة يده على أخطر مواقع هذه الخريطة حيث القسم الأوسط من أوكرانيا الذي يعيش فيه الأوكرانيون المتحدثون بالروسية، الذين بمقدورهم ترجيح كفة أي من الفريقين المتنافسين.
ومما تعتبرهم روسيا أبناءها ومناصريها صارت المعارضة اليوم قاب قوسين أو أدنى من أن تسميهم بالطابور الخامس أو ربما تنقل عن الصحف الغربية تسمية أكثر سخونة كالقول إنهم “رؤوس حراب لإعادة إحياء الإمبريالية الروسية”.

تزداد الخريطة تعقيدا حينما نعرف أن الأوكرانيين يتمركزون في القسم الغربي من البلاد بينما يتركز الروس والأوكرانيون المتحدثون بالروسية وسط وشرق البلاد، وقد تغري الخصوصية المكانية للروس والأوكرانيين المتحدثين بالروسية ببزوغ مطالب الانفصال كرد فعل محتمل على تنامي التوجهات القومية لدى أوكرانيا الغربية، ويبدأ مسلسل العنف والقتال البيني.
أما في الجنوب –شبه جزيرة القرم- فيعيش المسلمون (تتار القرم) بعدد سكاني لا يزيد عن ربع مليون نسمة، ولمسلمي أوكرانيا مطالب بمراعاة حقوقهم، وعلى مدى 200 عام أظهر مسلمو أوكرانيا نزوعا للتعايش والاندماج، وقد صوت أغلبهم (60%-65%) لصالح المرشح المناصر لروسيا، ربما خوفا من تطرف النزعة القومية لمرشح المعارضة.
ومما تقدم يلاحظ أنه لولا السمعة السيئة للحكومة الأوكرانية أوروبيا والضجة التي أثارها مراقبو المفوضية العامة للاتحاد الأوروبي، مشككين في نزاهة الانتخابات، لكان من الممكن أن تقبل النتائج بهدوء على أساس ثقل الوزن الانتخابي لمناصري المرشح المدعوم من روسيا، كما أن الفارق الذي فاز به هذا المرشح لم يزد عن 3% من إجمالي عدد الأصوات بعد أن كان قد خسر في الجولة الأولى بفارق 1% لصالح مرشح المعارضة.
الفرضيات المباشرة تقول إن روسيا لا تهتم بتوجيه السياسة الأوكرانية لأسباب تقف عند البعدين الإثني واللغوي، فأوكرانيا تمثل أخطر بوابة جيوبوليتيكة يمكن أن تفقدها روسيا في الشرق الأوروبي بعد أن خسرت النافذة الحيوية على بحر البلطيق بانضمام أستونيا ولاتفيا وليتوانيا لحلف شمال الأطلسي، بل إن الخسائر ستصل إلى تهديد الأسطول الروسي في مياه البحر الأسود الأوكرانية، ولن يكون ممكنا عودته للشقة الضيقة لروسيا على ذلك البحر.
ورغم ما في هذا التقرير من حقائق تنطق بها الجغرافيا السياسية، فإن العلاقات السياسية بين هذه الدول قد لا تنطلق بالضرورة من تلك الفرضيات، الراجح أنه ما من سلطة في أوكرانيا كانت ستغفل مطامح أى من الغرب أو روسيا، وكان المنتظر التالي:
* لو نجح مرشح المعارضة المدعوم من الغرب فليس بوسعه استبعاد مصالح روسيا في بلاده وبها أكبر أقلية إثنية ويتحدث بلغتها أكثر من نصف السكان وعليها يعتمد الإمداد بالغاز.

إن مسار فيكتور يوشنكا زعيم المعارضة الأوكرانية لم يكن ليختلف عن مسار ميخائيل ساكشفيلي الرئيس الجورجي، فبعد قليل من اللقطات الهوليودية لم تفلح طموحاته في توحيد جورجيا أو تحدي روسيا واستبعاد تأثيرها، بل إنه سرعان ما تودد إليها وطلب منها المساعدة في إقرار السلام في بلاده، وقد فعلت.
وكان المتوقع في حالة فوز المرشح المدعوم من الغرب أن يقع نوع من حلول الوسط، تدعيم الشراكة مع الغرب لتحقيق نهضة اقتصادية مشروعة وفى ذات الوقت علاقات طيبة مع روسيا تحقق حصة من مصالحها استرضاء لها.
* ولو نجح مرشح الحكومة الموالى لروسيا –وهو ما حدث رسميا- فليس بوسعه في المقابل أن يتغاضى عن طموحات بلاده في التقارب مع أشقائهم في القارة الأوروبية بالسعي إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو إهمال طموحات العسكرية الغربية في عقد اتفاقات عسكرية تضمن لها مجالا حيويا في شرق القارة.
وكان المنتظر أن يتم نوع من الشراكة مع الناتو بشكل لا يصيب روسيا بصدمة الانضمام إلى الحلف ودون أن تضيع فوائد التعاون معه في ذات الوقت.
والأدلة على ذلك قائمة بالفعل، فأوكرانيا تتعاون مع الناتو منذ سنوات، وجنودها موجودون الآن في العراق، وقد خرجوا دون اعتراض من الرئيس الروسي.
– ماذا يحمل الغد؟
إن الممارسات السياسية لدول ما بعد الاتحاد السوفياتي مليئة بحلول الوسط، فأرمينيا مثلا المتحالفة مع روسيا ضد أذربيجان (المدعومة أميركيا عبر تركيا) وجدت أن البقاء في خندق واحد مع روسيا سيفقدها الكثير، فشرعت تبذل على مدى السنوات الماضية جهودا -تؤتى ثمارها- للتقارب مع واشنطن دون أن تفقد تحالفها مع موسكو، بل إن موسكو تقدر ذلك ولا تعترض عليه.
وكذلك تجتهد أذربيجان للتقارب مع روسيا رغم تحالفها مع واشنطن التي تفهم أن روسيا يمكن أن تسبب مشكلات كبرى لأذربيجان والأفضل أن يكون هناك تقارب بينهما.
وكم هي مزدوجة هنا أيضا معايير مناصرة الشعوب لتحقيق الحرية، فبينما انتقدت واشنطن نتائج الانتخابات في جورجيا وهى تنتقد الآن نتائج انتخابات أوكرانيا وتتربص الدوائر بالسلطة في بيلاروسيا، لم تصغ مرة لمطالب المعارضة الآذرية التي سئمت من انتقال السلطة من علييف الأب إلى علييف الابن دون أن يحتج الاتحاد الأوروبي ولا وزارة الخارجية الأميركية ودون تهديدات بأي عقاب.
فليس معلنا ما الذي تريده واشنطن من كييف لكي يهدد بعض أعضاء الكونغرس بتوقيع عقوبات اقتصادية على كييف وعزلها سياسيا عقابا لتزوير الانتخابات، المحطة الحقيقية للردع هي روسيا وليست كييف.
عند البعض القضية ليست أكثر من منافقة روسيا حتى لا تدفعها المواجهة إلى تطوير أسلحتها وجيشها فيفيق الغرب على توسع روسي جديد يحيي الإمبراطورية.
إن ملامح النفاق تجدها في التحالف الفرنسي الألماني الروسي رغم الرفض الشعبي في ألمانيا وفرنسا لديكتاتورية روسيا، كما تجدها في التلاطف المشترك بين بوتين وبوش والدعوات المتكررة لبوتين للمشاركة في مناسبات دولية يتصدر فيها الظهور كتفا بكتف مع كبار قادة العالم، يسأل البعض: لماذا؟ ماذا يقدم بوتين للعالم؟ هل ديمقراطيته بمنح الشيشان حق تقرير المصير؟ أكانت انتخابات الرئاسة الشيشان أكثر نزاهة من الانتخابات الأوكرانية.
إن أراد الغرب حقا أن يوجه عقوبات اقتصادية فوجهتها معروفة، موسكو تصدر إلى أوروبا نحو نصف إجمالي صادراتها إلى العالم، كما تبيع لأوروبا 35% من حاجة أوروبا، هنا يمكن أن يحقق الغرب مقصده بدلا من مماحكة أوكرانيا.

إن الصدام الداخلي في أوكرانيا هو بديل عن الصدام بين روسيا والغرب، شكل من ألاعيب الحرب الباردة التي ظن الكثيرون أنها انتهت.
أوكرانيا.. لماذا تفشل الثورة البرتقالية؟ 

ضرورة الثورة
لماذا تفشل الثورة؟
نظرة على الغد

الثورة عند ماركس “قاطرة التاريخ” بدونها تتجمد أحلام الشعوب وتتعطل حركة الأمم. الثورة هي التي صنعت الاتحاد السوفياتي، والثورة المضادة هي التي أسقطت الشيوعية بعد سبعة عقود ومهدت لانهيار السوفياتية في نهاية عام 1991.

في مطلع عام 2005 تمكن مئات الآلاف من المتظاهرين سلميا فيما عرفت بالثورة البرتقالية من تغيير نظام الحكم في أوكرانيا في مشهد عُدّ الأكثر تأثيرا منذ سقوط حائط برلين.

في السنوات التي تلت، تحول النموذج البرتقالي إلى رسالة أيديولوجية عابرة للحدود، وصلت أصداء الثورة إلى لبنان ومصر وشرق أفريقيا. في القارة الآسيوية وجهت روسيا والصين وأوزبكستان تحذيرات لمواطنيها بأن أية تنظيمات “برتقالية” سيتم سحقها بيد من حديد.

اليوم، وبعد خمس سنوات من ذلك الحدث يطيح الناخبون الأوكرانيون بزعيم الثورة فيكتور يوشينكو ومن بعده شريكته يوليا تيموشينكو، وتخرج كبرى وسائل الإعلام في العالم بعناوين متشابهة مفادها “الموت الحزين للثورة البرتقالية”.

هل حقا ماتت الثورة؟ وما علامات الموت أو البقاء؟ وأي مستقبل ينتظر أوكرانيا؟

ضرورة الثروة

قبل خمس سنوات وقف المواطن الأوكراني خلف الثورة البرتقالية دعما لمواجهة طبقة فاسدة من رجال الأعمال، كانت الدلائل جلية لا تخطئها العين، احتكار وتربح غير مشروع من نقل وبيع الغاز المستورد من روسيا، قرصنة أموال البلاد في شكل قروض من البنوك الوطنية ثم التهرب من السداد، فضلا عن هيمنة فئة قليلة من الأثرياء على قطاع المناجم ومصانع الصلب.

الأكثر قسوة كان ذلك التمثيل السياسي الهزلي في الأحزاب والبرلمان، حتى إن الأحزاب المقربة من السلطة كانت تبيع المقعد البرلماني بنحو ثلاثة ملايين دولار لمن يرغب من رجال الأعمال، هكذا تحول البرلمان الأوكراني إلى “ناد للمليونيرات” وليس مجلسا ممثلا عن الشعب، على نحو ما يرصد آسلوند وماك فول في كتابهما “ثورة بلون البرتقال” الصادر عام 2006 عن مركز كارنيجي.

وقف الشعب الأوكراني خلف فيكتور يوشينكو مستحضرا الفترة التي عمل فيها رئيسا للوزراء وحوّل العجز في ميزانية البلاد عام 1999 إلى فائض في ميزانية العام التالي. كان الشعب الأوكراني يتطلع إلى يوشينكو رئيس البنك المركزي السابق الذي أقر برنامجا للإصلاح الزراعي وأكمل طريق توزيع المزارع الجماعية على الفلاحين.

في ساحة ميدان الاستقلال في يناير/كانون الثاني 2005 وفي حضور نحو مليون مواطن أوكراني من مناصري الثورة البرتقالية، قدم زعيم الثورة فيكتور يوشينكو “الوعد المستحيل” حين قطع على نفسه عهدا بتحقيق عشرة أهداف، أهمها توفير خمسة ملايين فرصة عمل، وزياة الرواتب والمعاشات، وخفض الضرائب، وشن حرب على الفساد، ومضاعفة الناتج الزراعي، والحد من الفجوة بين الأثرياء والفقراء، وإيقاف الانكماش الديمغرافي في الأمة الأوكرانية.

كشْف الحساب بعد خمس سنوات أظهر أن قليلا من الوعود قد تحقق. لم يبتلع الشعب الأوكراني عدم التحسن في الظروف الاقتصادية، أو عدم توفير فرص عمل، أو زيادة نسبة من يعيشون دون خط الفقر إلى 37% من السكان.

تجدر الإشارة هنا إلى أن كثيرا من الجماهير الحالمة صدقت أن الثورات الملونة هي هبة عفوية للشعوب. الحقائق التي تم ترجمتها لاحقا من الداخل الأوكراني تشير إلى أن الثورة البرتقالية وصلت بتمويل بعض رجال الأعمال المناوئين للنظام القديم.

فعلى سبيل المثال تكلف فيكتور يانكوفيتش ورجال الأعمال المناصرون له في الحملة الانتخابية لعام 2004 ما يزيد عن 700 مليون دولار، بينما دفع رجال أعمال منافسون يمولون الثوار البرتقاليين أكثر من 150 مليون دولار خصصت فقط لتغطية نفقات التجمهر في ميدان الاستقلال في مطلع عام 2005 من أجل توفير الخيام والتدفئة في ميدان الاستقلال الذي غمرته الثلوج، وتوزيع وجبات الطعام، وتمويل الفرق الموسيقية التي عزفت للأهازيج الثورية.

لم تكن الثورة البرتقالية حرة إذن، بل هي مدينة لمن دعمها ماليا، ومن فتح قنواته التلفزيونية الخاصة للدعاية، وانقسم رجال الأعمال في الدولة بدورهم إلى مناصرين للنظام القديم ومناصرين للحكومة البرتقالية.

لم يكن رجال الأعمال المحترفين للعمل السياسي يدعمون الثورات أو الشخصيات السياسية من أجل الديمقراطية أو حبا في رخاء الشعوب، بل انتظروا اقتسام الكعكة، وطالبوا بالسكوت على ما يقومون به من أنشطة، المشروع منها وغير المشروع.

هكذا وقعت الصدمة الأكبر لجماهير العالم الثالث التي تراقب عن بعد، حين تأكدت أن الثورة البرتقالية لم تتحرك بـ”قوة المقهورين” التي تحدث عنها فاتسلاف هافيل في سبعينيات القرن العشرين، بل حركتها “أموال المنتفعين” من رجال أعمال الداخل ورجال مخابرات الخارج

لماذا تفشل الثورة ؟

ارتكب الرئيس فيكتور يوشينكو وحلفاؤه في الثورة البرتقالية أربعة أخطاء فادحة أودت بحياة الثورة البرتقالية، وهي:

أولا: عجز الحكومة البرتقالية عن مواجهة الفساد. فقد وجد يوشينكو نفسه أمام تراث من النهب حوّل أوكرانيا إلى ضيعات خاصة لشريحة رجال الأعمال المحترفين المنتهزين للمناصب السياسية.

لم يكن أمام يوشينكو سوى خيارين: أن يتبنى نهج فلاديمير بوتين (لم تكن لديه في الواقع مقومات تلك الشخصية) فيضرب بقبضة من حديد ويمارس الاعتقال والنفي والتصفية السياسية وهنا يفقد الرسالة التي جاء بها وهي الديمقراطية والحرية والتغيير السلمي. أو أن يمضي في الخيار الثاني ويعمل على تحسين الأوضاع بالتدريج، فيحافظ على شخصية الإصلاحي المستنير والرئيس الليبرالي الممدوح من الغرب، غير أن الزمن سرقه وضاعت خمس سنوات وبلاده في قبضة المنتفعين فعليا وتحت رئاسته صوريا.

يمكننا إذن فهم ثبات مؤشرات الفساد في أوكرانيا، فتقرير الشفافية الدولية لعام 2009 وضع أوكرانيا في المرتبة 146 (من بين 180 دولة) حين أعطاها 2.2 درجة (من إجمالي عشر درجات للشفافية الكاملة) وهي نفس الدرجة التي حصلت عليها في العام 2004 قبل قيام الثورة البرتقالية.

ثانيا: انهيار ثقة الشعب في حكومته. ففي الوقت الذي أرجع فيه شركاء الرئيس الأوكراني فشل الثورة إلى ضعف شخصية الرئيس، اتهم يوشينكو من جانبه شريكته رئيسة وزراء بلاده يوليا تيموشينكو بأنها سبب الفشل الاقتصادي في السنوات الخمس الأخيرة، وذلك بعد أن اتهمها سلفا بخيانة مبادئ الثورة حين تحولت فجأة إلى التصالح مع روسيا والتودد إلى فلاديمير بوتين.

على هذا النحو يؤكد عدد من المحللين من الداخل الأوكراني أن الناس لم يعد بمقدورهم تمييز الثوار الخائنين عن المجاهدين الشرفاء، فالألوان صارت في أوكرانيا اليوم رمادية لا برتقالية.

ثالثا: الإفلاس الأيديولوجي. معروف أن الثورة البرتقالية اشتعلت كي لا يصل إلى مقعد رئيس البلاد رئيس الوزراء السابق  فيكتور يانكوفيتش المعروف في الإعلام الغربي بـ”ابن روسيا البار”. لكن أن يضطر زعيم الثورة البرتقالية إلى قبول ابن روسيا البار مرة أخرى رئيسا لوزراء البلاد نتيجة سطوته وهيمنته البرلمانية والانتخابية فإن هذا صنع صدمة حقيقية لكل الحالمين (أو الواهمين) بالتغيير.

وأخذا بعين الاعتبار النتائج السابقة بدأ كثير من المحللين في سحب لقب “ثورة” مما حدث في أوكرانيا، وبدلا من ذلك يتعاطى كثير من الكتاب اليوم مع مفهوم “الانقلاب السياسي السلمي” أو “انتقال السلطة” بين جماعات المصلحة.

رابعا: انصراف الرعاة الرسميين عن احتضان “الثورة”. فالاتحاد الأوروبي لم يمارس سوى دور ناعم، وحلف الناتو وجد خسائر ضم أوكرانيا إليه في الوقت الحاضر أعلى من الأرباح المتوقعة في ظل التوتر مع روسيا. أما الولايات المتحدة التي كانت أول من بارك الثورة البرتقالية ودعم اشتعالها عبر اختراق منظمات المجتمع المدني، فقد وقفت مشلولة الحركة بسبب موقفها المتأزم في أفغانستان والعراق.

ولعل أكبر صدمة تلقتها الثورة البرتقالية ذلك التقاعس المدهش في موقف الولايات المتحدة التي اكتفت بمشاهدة حرب صيف 2008 حين قام الجيش الروسي بسحق الجيش الجورجي في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وكانت موسكو قاب قوسين أو أدنى من تصفية الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي زعيم ثورة مشابهة للثورة البرتقالية ألا وهي ثورة الورود، أمّ الثورات الملونة منذ العام 2003.

نظرة على الغد

في السابع من الشهر الجاري أجريت الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الأوكرانية. كانت النتيجة محسومة سلفا بين رئيسة الوزراء الحالية يوليا تيموشينكو ورئيس الوزراء السابق فيكتور يانكوفيتش. النتائج التي رجحت فوز يانكوفيتش أكدت أن الناخبين الأوكرانيين يعاقبون الثورة البرتقالية أكثر من أن يناصرون يانكوفيتش الذي لن يأتي بجديد على الساحة السياسية في البلاد.

في حملتها الرئاسية في شهر يناير/كانون الثاني 2010 كانت يوليا تيموشينكو قد وعدت بتبني نهج القبضة الحديدية، وأعربت أنها “تشعر بإعجاب بالغ بالنموذج الصيني الذي يقطعون فيه رقاب وأيادي الفاسدين والناهبين للدولة”.

لم يصدق أغلب الناخبين “الوعود المستحيلة” التي رددتها تيموشينكو بتبني منهج صارم يكافح الفساد، فليس هناك ما يضمن نجاحها في ذلك، فالسيدة تيموشينكو التي تنادي بالنهج الصيني لقطع رقاب النهابين هي نفسها على رأس قائمة أكبر أثرياء أوكرانيا المتربحين فجأة من بيع القطاع العام واحتكار تجارة الغاز في تسعينيات القرن العشرين، وتثار شكوك حول شرعية تكوين هذه المرأة الشابة لتلك الثروة الضخمة.

بوصول يانكوفيتش إلى رئاسة أوكرانيا تتوقف قاطرة التاريخ، فلا تمضي إلى الأمام ولا تتراجع إلى الخلف، الأرجح أن فيكتور يانكوفيتش لن يأخذ أوكرانيا إلى نسخة طبق الأصل من روسيا ولن يقطع خطوات “برتقالية” في مغازلة الغرب، ستمضي أوكرانيا خلال السنوات المقبلة في شكل من حلول الوسط تفقد معه البلاد بوصلتها.

لكن توقف عجلة التاريخ في أوكرانيا ليس مضمونا حتى النهاية، خاصة إذا وضعنا في الحسبان معطيات الجغرافيا السياسية لهذه الدولة المحورية التي ينتمي نصفها الشرقي إلى ثقافة ولغة روسية، ونصفها الغربي إلى هوية “أوروآسيوية” تجمع بين سياسة شرقية مستبدة واستعداد لتبني الليبرالية الغربية.

في الختام علينا حين نستشرف مستقبل هذه الدولة أن نضع في الحسبان أسطولا روسيا يربض في المياه الأوكرانية بميناء سيفاستوبول وقوات لحلف الناتو تزور الدولة من فترة لأخرى للتعاون العسكري ودراسة إمكانية انضمام أوكرانيا في المستقبل.

أوكرانيا دولة قوية ديمغرافيا (نحو 46 مليون نسمة) ولديها ثروات وموارد طبيعية وزراعية، وقاعدة صناعية راسخة، وقوة عاملة عالية التدريب، وكلها عوامل كفيلة بظهور واحدة من الدول الإقليمية الكبرى في القارة الأوروبية، لكنها في ميزان الجيوإستراتيجية دولة “عازلة” بين الطموح الروسي الحالم بالتوغل غربا وسعي حلف الناتو والولايات المتحدة للاقتراب من عظم الدب الروسي شرقا.

حين نراجع تاريخ أوكرانيا العريق، نتذكر كارل ماركس مرة أخرى، الذي يبدو أنه يحذرنا بقوله إن “التاريخ لا يصنع شيئا، لا يمتلك ثروات، ولا يخوض معارك. الرجال فقط هم من يفعلون ذلك”.

لماذا تتعطل الثورة الأوكرانية في العالم العربي!؟

– عن أي معارضة يتحدثون؟
– منافذ الدور الأميركي

أسدل فوز زعيم المعارضة الأوكرانية فيكتور يوشينكو في الجولة الثالثة من الانتخابات الرئاسية الستار على المشهد الأخير من الحراك السياسي في واحدة من مفاتيح الجغرافيا السياسية في القارة الأوروبية.

 ولو أردنا الدقة لقلنا إن يوشنكا قد تُوج رئيسا لأوكرانيا قبل شهر حينما خضعت المحكمة الدستورية العليا لقوة الجماهير وأبطلت نتائج الانتخابات.

أما ما رافق الجولة الثالثة من هدوء مدهش فيدعم الاعتقاد بأن تسوية ما قد تمت في الظلام يسكت بموجبها الخاسر -رئيس الوزراء السابق ينوكوفيتش- عن إشعال مطالب الانفصال عن الدولة مقابل أن يسكت زعيم المعارضة الذي صار رئيسا عن إيداع غريمه السجن وملاحقة معاونيه المتهمين بالفساد.

 وهو اتفاق كان غرس بذوره تنازل بوريس يلتسين لفلاديمير بوتين عن كرسي الرئاسة في مثل هذا الشتاء من عام 2000.

 والآن ما وجه التشابه بين العالم العربي وأوكرانيا؟ ألا تمنع الخصوصية الإقليمية من تفرد الظروف وتميز التطور السياسي والاجتماعي ومن ثم عدم شرعية المقارنة؟

 تسعى السطور المقبلة إلى العثور على التشابهات والاختلافات في النموذجين، وربما نتمكن من اختبار حقيقة الصيحة المرفوعة الآن بضرورة محاكاة الثورة الجورجية (نوفمبر 2003) ونظيرتها الأوكرانية (نوفمبر 2004) اعتمادا على ثلاثة ملامح متشابهة.

 أولها وقوع الاقتصاديات الوطنية في كل من جورجيا وأوكرانيا وعدد لا بأس به من دول العالم العربي في شرك عملية خادعة من سيطرة فئة نخبوية متصاهرة مع السلطة تتقاسم معها المصالح والثراء بطريقة تشبه اقتصاد الأمراء الاقطاعيين في العصور الوسطى.

 وثانيها احتباس مخزون كامن من قوة دفع هائلة يسميها فاتسلاف هافيل مخترع الثورة السلمية في أوروبا الشرقية في عهد الشيوعية بقوة المقهورين، وهى قوة تجمعت عبر عقود طويلة من الانتظار لعل شيئا ما يتغير إلى الأحسن.

 وثالثها حذر وعناية بخريطة عرقية ومذهبية شائكة تقف فيها كثير من العناصر في مواجهة بعضها البعض، وهو ما يجعل التحرك للتغيير تحدق به مخاطر الحرب الأهلية والاشتباكات المسلحة.

عن أي معارضة يتحدثون؟

هناك عشرات العناصر التي تجعل التجربتين مختلفتين، نختار أخطرها تأثيرا وهو دور ومكانة المعارضة.

 لابد أن نأخذ في الاعتبار بداية أن المعارضة في جورجيا وأوكرانيا لم تأت فجأة أو متسللة من دهاليز وأزقة مهمشة كما هي الحالة العربية، بل كانت تشغل مركزا مرموقا في البناء السياسي، فالرئيس الجورجي ميخائيل ساكشفيلي الذي قاد الثورة الجورجية كان يشغل منصب رئيس مجلس العاصمة ثم وزيرا للعدل في عام 2000 وذلك في حكومة شفرنادزه التي أسقطها لاحقا.

 أما فيكتور يوشنكا الذي قاد المعارضة الأوكرانية وأصبح الآن رئيسا للبلاد فلم يكن رجلا غير معروف بين الناس كما هي حال عديد من قادة المعارضة في العالم العربي، بل شغل منصب رئيس البنك المركزي الأوكراني خلال الفترة من 1993 إلى 1999 وصنفه الإعلام الأميركي كواحد من أفضل عشرة مصرفيين في العالم، ليجلس بعدها في مقعد رئيس وزراء أوكرانيا خلال الفترة من 1999 إلى 2001.

 وواجب أن ننتبه أيضا إلى أن للمعارضة في النموذج الجورجي – الأوكراني تجربة من العمل العام ومن خلالها قدمت نفسها للجماهير وليس من خلال الموقع الحبيس الذي تُحاصر فيه المعارضة في البلاد العربية.

 لقد كان أحد أسباب الدعم الذي حصل عليه زعيم المعارضة الأوكرانية هو جهوده في الإصلاح الاقتصادي خلال فترة رئاسته للبنك المركزي ثم رئاسة الوزراء خلال ما يقرب من عقد من الزمان.

 وحري بنا أن نلحظ أن المعارضة في النموذج الجورجي-الأوكراني امتلكت إلى جانب الصحف ومواقع الإنترنت نوافذ تلفزيونية أطلت بها على الناس وقدمت من خلالها برامجها ومشروعاتها السياسية.

 وكما كانت قناة التلفزيون “روستافي 2” قناة خاصة بالمعارضة الجورجية كانت “القناة الخامسة” الأوكرانية نافذة المعارضة للإلحاح على شعار “دعم المرشح الوطني أمام المافيا الناهبة للبلاد”.

 وعلى سبيل المقارنة، فإنه في يوم النصر الذي حققت فيه المعارضة الأوكرانية فوزها الاثنين 27/12/2004 كان زعيم المعارضة في دولة عربية كبرى يقدم لوما كسيرا لحكومته لرفضها عرض أي أخبار عن الاجتماع السنوي لحزبه، ولو مدة ثوان عدة على شاشة التلفزيون الوطني.

 وكان غاية ما طالب به زعيم المعارضة في ذلك البلد هو أن يسمح التلفزيون الحكومي للناس بأن يعرفوا أن هناك حزبا معارضا على الخريطة السياسية يعقد اجتماعا ويناقش قضايا تخص الوطن!

 لم تكن المعارضة في جورجيا وأوكرانيا تستجدي الإعلام الحكومي لعرض أخبار عنها، كما لم تقدم نفسها ببضاعة قوامها أخبار فضائح بعض الوزراء ورجال الدولة كما هو الحال في أكثر النماذج العربية الليبرالية، بل كان هناك مشروع سياسي متكامل يفترض في وقت ما وصوله إلى السلطة.

 وقد مهدت الظروف السابق ذكرها السبيل لظهور الزعيم “الكارزمي” متجسدا في شخصية لها حضور وقبول ولكلماتها السحر: “هنا عسكروا، لا تبرحوا أماكنكم ، واصلوا اعتصامكم لأسبوعين متتالين”، والإجابة: “سمعا وطاعة”.

 ويبدو أن هذه أخطر الفروق في المقارنة مع الحالة العربية التي يغيب عن أكثر دولها حريةً مثل تلك الشخصية الكارزمية التي يلتف حولها الناس.

 وقد يبدو مخزيا أن تجد عدد المريدين لأحد المطربين العرب يفوق بمائة ضعف أتباع زعيم ما من زعماء المعارضة، إنها حالة إفلاس إذن في كوادر ورموز المعارضة السياسية في العالم العربي تزاحمها أزمة ليست أقل خطرا وهي ضعف الثقة بين الجمهور وهؤلاء الرموز.

ولولا القنوات الفضائية نصف المستقلة لما عرف عدد من شعوب العالم العربي عن وجود معارضين يعيشون في أوروبا ويخشون العودة إلى بلادهم حتى لا يسجنوا في معاقل وراء الشمس أو في جوف الأرض.

 الحالة الأوكرانية والجورجية مختلفة، فقد كانت المعارضة بين الناس وتحت جلودهم، ويرتبط بالشخصية الكارزمية في الحالتين الجورجية والأوكرانية الالتزام بسلوك حضاري، لا عيب في أن نعترف بغيابه في الحالة العربية وهى مسؤولية تتحملها النخبة المثقفة المنعزلة عن الجماهير طوعا تارة وجبرا أخرى.

 في جورجيا وأوكرانيا لم يمد أحد يده إلى ممتلكات الآخرين لا بالنهب ولا بالسرقة ولا بالتدمير.

كثير من المظاهرات التي شهدتها العواصم العربية في العقود الأخيرة عمدت إلى تكسير المحلات التجارية وحرق السيارات بل ونهب ممتلكات الأبرياء، وهو سلوك يشوه الأهداف النبيلة التي ترفعها الاحتجاجات الشعبية ويخلق المبررات للسلطات الحاكمة لتنعتها بتجمهر اللصوص وانتفاضة العصابات.

 مازلنا نغفل هنا عن أن ما شهدته أوروبا منذ عهد فاتسيلاف هافيل من احتجاج المثقفين عام 1977 مرورا بالثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا عام 1989 ووصولا إلى الثورة الجورجية عام 2003 والأوكرانية عام 2004 قد جرى تحت شعار اللاعنف، وهو شعار يحتاج إلى دراسة متأنية في الحالة العربية.

 ولا يبتعد هذا عن اختلاف العلاقة بين المحتجين والشرطة في النموذجين، ففي النموذج الجورجي -الأوكراني كان المتظاهرون يرمون الشرطة بالورود فتقوم الأخيرة بافتراش الأرض معهم لتناول الشاي واقتسام وجبات الطعام، وهى حالة تخرج عن المقارنة في النموذج العربي المليء بسجلات دامية.

منافذ الدور الأميركي

من الناحية الشكلية يتشابه النموذج العربي مع نظيره الجورجي-الأوكراني في تعرضهما للتدخل الأميركي، لكن في الوقت الذي تتحالف فيه واشنطن مع غالبية العواصم العربية معادية لشعوبها يتمثل الدور الأميركي في النموذج الجورجي- الأوكراني بالتغلغل على المستوى الشعبي لقلب السلطة من أسفل، وهناك ثلاثة أبواب تغلغلت من خلالها المؤسسات الأميركية في الحالة الجورجية-الأوكرانية:
– المنظمات الشبابية التي تدعم المعارضة وتشكل القاعدة الشعبية الأساسية.
– جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية.
– مراكز الأبحاث والمعاهد والجامعات.

 ويتسلل الدعم المالي عبر هذه النوافذ في مصارف “بريئة” كالهبات والمساعدات لتحديث الحواسيب ودعم شبكات الإنترنت في الجامعات والمدارس، إلى منح بحثية للعلماء للسفر إلى الولايات المتحدة، وصولا إلى المساندة المالية للأنشطة الساعية لتفعيل المناخ الديمقراطي في الدولة بدعم المؤتمرات والدورات والإعلام الموجه.

 ولعل قيام منظمة الشباب الأوكراني المعروفة باسم “بورا” (وتعنى آن الأوان) والدعم الذي تلقته من المخابرات الأميركية بحسب شهادة محللين أوروبيين يمثل نموذجا بارزا في هذا الشأن.

 وقبل ستة أشهر من الأزمة الانتخابية الأخيرة في أوكرانيا ناقش عدد من الخبراء أسباب الزيارة التي قام بها البليونير اليهودي الأمريكي جورج سورس لأوكرانيا متهمين إياه بالتجهيز لثورة جورجية جديدة في أوكرانيا، وذلك حينما جاء إلى كييف للمشاركة في مؤتمر نظمته المعارضة الأوكرانية حمل عنوان “حقوق الإنسان والديمقراطية في أوكرانيا”.

 ورغم أن جورج سوروس على خصومة ظاهرة مع حكومة جورج بوش فإن هذه الأخيرة تساهم جنبا إلى جنب مع مؤسسة سورس ” الخيرية” ممثلة في مؤسسة بيت الحرية Freedom House المدعومة من وكالة المخابرات الأميركية.

 وبغض النظر عن أن لسورس أهدافا استثمارية وليست خيرية تجعل منتقديه يشبهونه بالشيطان المتنكر بثياب الأم تريزا، فإن المعارضة الأوكرانية استفادت منه كما استفادت المعارضة الجورجية التي ظل يدعمها حتى بعد وصولها إلى السلطة.

وفى الحالة العربية تكتفي واشنطن بالأسلوب الذي تتبعه حاليا مع دول سوفياتية سابقة كأذربيجان الغنية بالنفط والواقعة على بحر قزوين أو كازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان في آسيا الوسطى التي توجد بها قواعد وتسهيلات عسكرية للقوات الأميركية.

 ففي مثل هذه الدول لا تكترث واشنطن بتطبيق النموذج الأوكراني عبر التغلغل الشعبي، والسبب بسيط، وهو أن دعم الديمقراطية الشعبية سيخرج إلى النور إرادة الشعوب.

 وفى آسيا الوسطى وأذربيجان والعالم العربي من الصعب تخيل قوة متماسكة لديها مشروع سياسي تسيطر على عقول جماهير -أكثر من نصفها أمي- سوى القوة الدينية.

 يبقى أن ننبه إلى أنه مازال البعض أسير أطروحة صدام الحضارات وإمكانية قيام تحالف روسي-عربي في مواجهة المسيحية الغربية، وأن معركة أوكرانيا كانت إحدى القلاع المهمة في هذا التحالف.

 ويحضرنا هنا التحليل الذي قدمه أليكسندر فاسوفيتش في الأسوشييتد برس حينما تناول موقف الجالية اليهودية في أوكرانيا البالغ عددها نحو 100.000 من المرشحين للرئاسة، ووصل إلى أن يهود أوكرانيا سيدعمون يوشنكو الموالي للغرب حتى لا يفوز رجل روسيا في أوكرانيا بما يحقق المخطط الروسي للاتحاد مع أوكرانيا وتشكيل قوة إقليمية تصل إلى إيران والعالم العربي بما يمكن أن يهدد إسرائيل على المدى البعيد.

 وبالتالي فقد وزع المعبد اليهودي في كييف وجبات طعام على الشباب الأوكراني المشارك في مناصرة يوشنكو ولم ينس أن يعنون تلك المساعدات بالإنسانية وليس السياسية.

 وهكذا يبدو الاختلاف بين النموذجين العربي والأوكراني كبيرا، ومن ثم فإن الدعوة التي يطلقها البعض بضرورة التأسي بالنموذج الأوكراني هي دعوة في حاجة إلى مراجعة، ولا يشفع لها صدق التعبير أو النوايا الحسنة.

 يبدو مؤسفا الوصول إلى نتيجة تقول إن النماذج التي يجب أن نتابعها عن كثب لن نجدها في جورجيا وأوكرانيا بل في روسيا وتركمانستان وأذربيجان وطاجيكستان وقرغيزيا. فلدى هؤلاء التشابه مع واقعنا، وهناك الجمود الذي يمكن أن نقيس عليه حالنا! 

المصدر : الجزيرة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s