“رحلة أحمد بن فضلان” من محاضرات الدكتور عبد العال الشامى

رحلة أحمد بن فضلان في وصف بلاد الترك و الخزر و الروس و الصقالبة

كتب: عاطف طعمة*

تمر الجغرافيا التاريخية والفكر الجغرافي في هذا العصر بأضعف مراحل التطور ، فقد أهمل هذا الفرع المهم من فروع علم الجغرافيا إهمال غير مبرر ، وكلامي هذا يرجع لواقع عايشته في جامعة القاهرة ولا أعتقد أن الوضع أحسن حالا في الجامعات الأخرى ، فعندما كنت في الجامعة لم يكن هناك سوي أستاذ واحد في هذا التخصص وهو الدكتور عبد العال الشامي ولم يكن هناك سوي مدرس واحد وهو الدكتور عبد الغني هذا علي مستوي أعضاء هيئة التدريس إما علي مستوي الباحثين فلم اسمع يوما أن هناك سيمينار واحد –  وذلك خلال فترة دراستي –  تمخض عن باحث يريد أن يقدم موضوع رسالة في هذا المجال ، ولست متابع لما حدث بعد تخرجي من الجامعة ولكني لا أعتقد أن الوضع تغير عما كان عليه ، ولا أعرف السبب في هذا هل هو راجع إلي التقدم الكبير الذي حدث في مجال نظم المعلومات الجغرافية وتطبيقاته واتجاه الباحثين إلي اختيار موضوع من الجغرافيا الطبيعية مثل المناخ أو الجيومورفولجيا أو موضوع من الجغرافيا البشرية مثل السياسية أو السكان مع إضافة باستخدام نظم المعلومات الجغرافية أو الاستشعار من بعد إلي عنوان الرسالة حيث إن هذه الموضوعات هي المطلوبة في الإعارة إلي الخارج ، أم أن الجغرافيا التاريخية قتلت بحثًا ولم يعد هناك موضوعات جديدة تصلح موضوع رسالة ماجستير أو دكتوراه  ، ولست هنا بصدد الحديث عن الأسباب  أو العوامل التي أدت إلي هذا التدهور ، ولكن جاءت فكرة طرح هذا الموضوع  – رحلة أحمد بن فضلان –  في مدونة خطوات بعد أن لاحظت أن المدونة تكاد تخلو من موضوعات تتعلق بالجغرافيا التاريخية و الفكر الجغرافي اللهم إلا من موضوع واحد كتبه صاحب المدونة عن طابا ، وبعد نقاش مع مسوول المدونة الأخ الفاضل أحمد مجدي طلب مني أن اجمع هذه الرحلة الرائعة ليضعها علي المدونة لعلها أن تكون بداية طيبة لتكوين قسم مستقل في هذه المدونة للجغرافيا التاريخية والفكر الجغرافي وفي حديثي مع صاحب المدونة عن ضعف هذا القسم في مدونته قال لي انه يجد عدم إقبال من علي هذا الفرع من فروع علم الجغرافيا وتوصلنا في النهاية إلي  المبادرة بطرح هذه الرحلة في المدونة لعلها أن تكون بداية مشجعة للكتابة و التدوين عن موضوعات أخري يكتبها المتخصص وأفكار وتعليقات وتساؤلات يطرحها القارئ.

وللأمانة العلمية لابد أن أنبه علي أن كل ما سوف يأتي في هذا المقال يرجع الفضل فيه إلي صاحبه الدكتور عبد العال الشامي – أطال الله عمره – فهذه الرحلة هي جزء من مقرر مادة الفكر الجغرافي التي استمتعت بدراستها علي يده في السنة النهائية ، وكل دوري هو كتابة وتنسيق هذه الرحلة وإعادة رسم خط سير الرحلة بشكل منسق حيث إن النص الأصلي لهذه الرحلة الذي كتبه الدكتور عبد العال الشامي بخط يده قد أهداه لي ومازالت احتفظ به واعتز به كثيرًا ، وأيضا أريد أن أوضح أن هذه الرحلة تدخل ضمن الفكر الجغرافي ، وكما هو معروف فالفكر الجغرافي هو جهود الجغرافيين في فترة زمنية معينة ، أما الجغرافيا التاريخية فهي صورة الأرض نسترجعها في وقت معين .

والآن هيا بنا نشد رحالنا ونرجع بالزمن إلي القرن الرابع الهجري متجهين إلي جوف آسيا جنوب الاتحاد السوفيتي السابق يقودنا في هذه الرحلة أحمد بن فضلان…..

تمهيد

استهدفت رحلة أحمد بن فضلان في مستهل القرن الرابع الهجري زيارة جوف آسيا (جنوب الاتحاد السوفيتي ، الجمهوريات الإسلامية). وقد طبعت الرحلة في دمشق عام 1959 تحت عنوان رسالة أحمد بن فضلان في وصف بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة عام 305هـ (921 مـ ) تحقيق الدكتور سامي الدهان.

بدأ الاهتمام بالرحلة علي أيدي المستشرقين الروس باعتبارها من المصادر النادرة للتعريف بالملامح الجغرافية لتلك المناطق في وقت لم يكن تاريخ روسيا وما جاورها معروف في العصور القديمة والوسطي ، ومن ثم تعد هذه الرحلة من أقدم ما قدم من معلومات خاصة عن بلغار الفولجا فليس هناك من سبق بن فضلان إلي هذه البلاد.

الرحلة سفارية في خلافة المقتدر بالله ( 295 هـ / 320 هـ ) حيث وفد عليه وفد أرسله ملك البلغار يطلب من الخليفة العون بعد أن زاد ضغط الخزر عليهم من الجنوب والخزر من الشعوب التركية وكانوا يحتلون السهول الممتدة من جبال القوقاز وحتى بحر قزوين وامتد نفوذهم أحيانًا شمالاً حتى مدينة كييف الروسية ، وكانوا علي اليهودية ثم دخلوا الإسلام حول منتصف القرن 4 هـ وكان نشاطهم في تجارة المرور فيما بين الصين و الإمبراطورية الرومانية خاصة الحرير وكانت عاصمتهم علي نهر أتل ( الفولجا ) وقد بلغت سطوتهم حدًا دفع البلغار إلي تقديم الاتاوه لهم مما كان سببًا في الرحلة ، كما طلبوا من الخليفة العباسي فقيهًا وكانت هذه مهمة ابن فضلان بالإضافة إلي صفته الرسمية في تسليم الرسائل.

من هم البلغار: هم شعب أسس دولتين الأولي وهي أقدمها في حوض نهر الفولجا الأوسط ، وقد امتدت هذه المملكة المسلمة مابين جبال أورال في الشرق ونهر الفولجا في الغرب ، ووصلت جنوبًا إلي بحر الخزر ( قزوين ) أو ما يقرب منه ، وأما حدودها الشمالية فكانت إلي ما سماه القدماء أرض الظلمات ( التندرا ) ، والدولة الثانية للبلغار وهي الأحدث كانت في حوض نهر الدانوب ( الطونه ) فيما يعرف باسم بلغاريا ، وكلمة البلغار تطلق علي الشعب وعلي الدولة وعلي العاصمة التي تقع علي الضفة اليسري لنهر الفولجا وما زالت آثارها كأطلال باقية علي مقربة من مدينة ( قازان ) علي 6 كم من شاطئ الفولجا الأيسر، ويذكر ان ( ابن رسُته ) في كتابه ( الأعلاق النفيسة ) أن أكثر البلغار مسلمون ولهم مساجدهم وذلك حول القرن الثالث الهجري.

دواعي القيام بالرحلة

طلب ملك البلغار* في وفد للخليفة بإرسال بعثه دينيه ( فقيه ) ويبني ملك البلغار المسجد الجامع والعمل علي بناء حصن للحماية من الخزر ، وقد استجاب المقتدر بالله للأمرين معًا….

وسافر الوفد من أربع أشخاص ومعهم رسول ملك البلغار ومعهم من  يعرف لغة الأتراك ( الغز ) بحكم أصله ومرور الرحلة ببلاد الأتراك ، وكان ابن فضلان من يتولي تسليم خطاب الخليفة والهدايا ومن بينها أدوية ، ومع الوفد نفر من المعاونين للخدمة.

خط سير الرحلة

يمثل خط سير الرحلة بين بغداد والبلغار الذي استغرق 11شهرًا قيمة جغرافية لما اشتمل عليه من حقائق بنظام الرحلة في مناطق متباينة في ظروفها التضاريسية والمناخية وفي النظم السياسية والأهواء الدينية والأحوال العرقية مما يعكس صعوبة الرحلة

بدأت الرحلة من بغداد في يونيه 921 مـ ( 309 هـ ) واتجهت شرقاً بشمال مارًا بإقليم الجبال ووصلت همذان والرىًّ وواصلت السير شرقاً إلي نيسابور وكان الطريق إليها محفوفاً بالمخاطر لوجود العلويين في إقليم طبرستان وقد تنكر أعضاء الوفد في القافلة كمسافرين عادين ثم ساروا إلي بخاري وكان الطريق إليها آمنا ، واستقروا بها قرابة الشهر وفيها قابل ابن فضلان الجيهاني الذي كان وزيراً لصاحب خراسان وذلك في شهر سبتمبر وعادت القافلة إلي نهر جيحون الذي عبرته ثم سارت في النهر في سفينتين إلي خوارزم . وهناك حاول حاكمها منعهم من مواصلة السير بالتخويف من دخول أرض الغز ولكنهم أصروا وواصلوا السير إلي الجرجانية واستقروا فيها حتى ينقضي الشتاء ( من نوفمبر إلي فبراير 1922مـ ) والمعروف تجمد مياه الأنهار لعشرة أسابيع ، ومع بداية مارس واصلوا السير ولكن بعد أن تخلف منهم عدداً من الفقهاء والمعلمين والغلمان إما خوفاً من مخاطر السير بعد أن عاينوا قسوة الشتاء أو بسبب قلة الموارد المالية بعد أن تعذر استلامهم لمبلغ 4 آلاف دينار كانت مقررة لهم من الخليفة كخراج ضيعة قريبة من خوارزم حتى يتموا الرحلة.

ومن بقوا مع ابن فضلان واصلوا السير فمروا عبر بلاد ( النهرين )  بحر آرال في الشرق وبحر الخزر في الغرب ( جمهورية كازاخستان ) ثم واصلوا السير شمالاً حتى بلغوا العاصمة البلغار وقد قطعوا المسافة مابين الجرجانية ومدينة البلغار في 70يوماً.

كيف عادت الرحلة ؟

ليس ذلك معلوماً بعد أن امتدت يد الضياع إلي الرحلة ومن المتصور أن الرحلة لم تلبث كثيراً في البلغار وعادت أدراجها بنفس الترتيب و البعد الزمني لمراحل الطريق أي تصل إلي الجرجانيه أو خوارزم قبل حلول فصل الشتاء لعام 922 مـ ثم تمكث هناك حتى يبدأ الربيع فتعود إلي بغداد في أوائل الصيف عام 923 مـ .

أهمية الرحلة :

(1)  أصبحت رسالة ابن فضلان مصدراً من أهم المصادر عن تاريخ الأقطار التي زارها وعن صورتها الجغرافية وحيا السكان الاجتماعية ولا تزال تدرس في كل المدارس الروسية.

(2)  أنها أول مذكرات دبلوماسية يكتبها عربي من أكثر من ألف عام بأسلوب لا يختلف كثيراً عما هو شائع في كتابة المذكرات الدبلوماسية.

(3)  أنها وثيقة سياسية تاريخية حضارية مهمة فيما جمعه عن سكان هذه المناطق – كما قرر ذلك أهل الاستشراق – لان ابن فضلان قد استطاع دخول من مجهولة ، بل لم يكن من اليسير دخولها علي نحو ما ذكر ابن حوقل عن بلاد الروس ، لأن الروس يقتلون الغرباء ، وأنهم ينحدرون مع نهر الفولجا للتجارة مع جيرانهم ولا يخبرون أحداً عن بلادهم ولا يصحبون أحداً معهم وإنما زار ابن فضلان هذه النواحي بحكم صفته السياسية.

(4)  ما تركته الرحلة من أثر في كتابات الجغرافيين العرب فقد قرأ الرحلة واعتمد عليها كل من الأصطخري ، وابن رسٌته ، والمسعودي ، والجيهاني ، ويرجع الفضل إلي ياقوت الحموي في إظهار رسالة ابن فضلان من خلال النصوص التي ذكرها في المعجم وقد قال بأن الرحلة كانت معروفة ومدونه ومشهورة في ايدي الناس وانه رأي منها عدة نسخ متداولة في عصره في بلاد العجم والترك ، وإذا كان ياقوت الحموي له تعليقات قاسية فيجب أن نأخذ في الاعتبار كون الرحلة رائدة وهناك فاصل زمني نحو ثلاثة قرون وقد شهدت توافر معلومات جديدة . ويكفي أن ابن بطوطة حين زار بلاد البلغار لم يستطع أن يتجاوزها شمالاً إلي أرض الظلمه ( سيبريا ) لأن السير علي الجليد يتطلب عجلات صغار تجرها كلاب كبار ، ولا يدخلها إلا الأقوياء من التجار الذين يكون لأحدهم مائة عجلة موفرة بالطعام والشراب والحطب ، وذكر أن قيمة  الكلب 100 دينار وأن السير في هذه الأرض أربعون مرحلة ، وأن التجار يتركون بضائعهم ثم يعودون في الغد فيجدون السمور والسنجاب والقامم فإن رضي صاحب المتاع ما وجده إزاء متاعه أخذه ن وإن لم يرضه تركه فيزيدونه ، وربما رفعوا متاعهم ، وهذا هو بيعهم وشرائهم ( أي التجارة الصامتة كما عند الجماعات البدائية في وسط أفريقيا أقزام الكونغو مع رعاه السافانا ، وبين الهنود الحمر والأوروبيون ).

تقيم رحلة ابن فضلان جغرافياً

مزايا الرحلة:

دقة التفصيلات ، الإيجاز والاختصار والبعد عن الحشو والتطويل وتحديد التواريخ والأيام علي طول خط السير مما أتاح الفرصة لرسم مسار الطريق ومعرفة الفترات الزمنية التي قضاها في منازل الطريق مع تحليل طول بعض هذه الفترات ، الوصف البارع مع التسجيل لما يراه من ظاهرات طبيعية وبشرية.

أولاً: في مجال الحديث عن الشعوب والسلالات العرقية والقبائل :

تناول ابن فضلان العجم والغز ( الترك ) ، والصقالبة ، والروس ، الخزر ، وهي المجموعات التي تسكن في مجملها جوف آسيا ولم يكن لها حتى عصره تاريخ مكتوب ذلك أن الشعوب الرعوية في هذا الإستبس الآسيوي   ( مراعي المناطق المعتلة ) لم تكن تدخل في إطار التاريخ إلا عند خروجهم من بيئتهم الأصلية بالإغارة علي الشعوب المجاورة ، وهو أمر مشاهد من انسيابهم شرقاً حتى منشوريا والصين ، وغرباً حتى شرق أوروبا        ( خاصة نهر الدانوب ) وجنوباً بشرق عبر ممرات جبلية إلي شمال الهند ، وجنوباً بغرب باجتياح الممالك الإسلامية وصولاً إلي الشام في طريقهم إلي مصر لولا صدهم ، وقد كان لابن فضلان الفضل في تقديم معلومات عن هذه الشعوب علي نحو ما يضم متحف موسكو من لوحات تمثل مراحل تطور الشعب الروسي في معارج الحضارة اعتماداً علي كتابات ابن فضلان في رحلته.

ثانياً : في مجال جغرافية العمران :

وقع اهتمام ابن فضلان بوصف المدن والقرى والرباطات في الثغور التي مر بها علي طول الطريق فضلاً عن الخانات والمراصد .

ويصف ابن فضلان المساكن ويشير إلي اختلاف أشكالها ومادة صناعتها ومدي التوافق بين البيئة والمسكن القائم؛ فسكان البادية من الغز لهم بيت من شعر وهم في حل وترحال ، وأما الصقالبة فهم سكان قباب وأما مساكن الروس الذين يقيمون علي ضفاف نهر الفولجا فبيوتهم خشبية ، وهكذا ميز ابن فضلان بين البيئات المختلفة وحرف السكان ومدي اعتمادهم علي ما هو متوفر في البيئة من خامات وعلي حرفهم ومن المساكن ما هو مناسب تماماً لحرفي الرعي وطلب المرعي والتنقل ومثل هذه الصورة تقابلنا في دراسة جغرافية البيئات.

ثالثاً : في مجال الجغرافيا الاقتصادية :

استعرض ابن فضلان في رحلته النشاط الاقتصادي للسكان من خلال الإشارة إلي الحرف المختلفة التي تباينت تباين البيئات وعطائها الطبيعي ومدي الاستجابة البشرية. فقد عرض لحرفة الرعي عند الأتراك (الغز) وقدر ما يملكه الفرد من الأغنام وذكر مدي غني المرعى بالحشائش الطبيعية.

وحين انتقل إلي الزراعة ذكر المحاصيل السائدة ، وطرق تخزينها أو حفظها لتكفي حاجة السكان علي مدار العام وذلك بوضعها في حفر أرضية بفضل البيئة الجافة والتربة الحافظة التي تحول دون فساد المحاصيل المخزونة لخلوها من الرطوبة المشاهدة في الأراضي الزراعية المروية ، ومثل هذه الطريقة تماثل ( المكامر ) التي تحفظ البقول الجافة كالفول في مصر .

كما لا ينسى ابن فضلان ما يكون في الإقليم من أشجار مثمره ، بل قد حدد أسباب عدم جودة محصول بعينه وما يترتب علي قلة ذلك المحصول من استخدام البديل علي نحو ما ذكر من قلة زراعة أشجار الزيتون  وهو من النباتات في البيئة الدافئة ( بحر متوسط ) ولذلك يذكر تعويل السكان علي زيت السمك .

وحين يذكر التجارة كحرفة يحدد المناطق التي يتم التبادل التجاري معها ويذكر أنواع السلع المتبادلة و الأسواق التي يقصدها التجار ويشير إلي أن الروس يتاجرون في الجوارب والجلود ، كما يتعرض للعملات المتداولة والضرائب و الإتاوات المفروضة التي تتجاوز الأفراد إلي الدول علي نحو ما كان سبباً لإرسال وفد ملك البلغار للخليفة العباسي.

رابعاً : في مجال جغرافية الطرق أو النقل و المواصلات :

تضمنت الرحلة وصفاً لنظام السير علي الطريق وهو وصف يخالف ما نعرفه في البيئات الصحراوية الحارة والدفيئة في ظل الظروف المناخية القاسية في فصل الصيف ، ومن ثم فقد أعطانا بذلك الصورة المكانية لنظام الرحلة في مناطق قارية في جوف آسيا يكون فيها الشتاء قارساً بالبرودة والتجمد.

كذلك قدم وصفاً لدواب الحمل فهي هنا الجمال التركية التي تناسب البيئة وهي صورة مغايرة للجمال في الصحاري العربية الجافة الدفيئة.

كما يشير إلي حجم القوافل فقد بلغت قافلته التي سافر معها خمسة آلاف رجل وثلاثة آلاف جمل.

ويشير إلي استخدام الدليل الماهر ونظام البزرقة أو الحراسة ، ويذكر ما يكون من عوائق طبيعية كالمجاري المائية وضرورة الاجتياز في قوارب جلدية ، في حين تخوض الدواب الماء في المناطق قليلة العمق

( المخاضات ) وهذا يؤكد أن الطريق لا ينقطع وإنما تتغير وسيلة الحمل أو النقل.

ويشير ابن فضلان إلي ما كان يفرض علي المارين و المسافرين في أراضي هذه القوافل من أموال تدفع إليهم كرسوم مرور أو لدرك الطريق.

وهذا كله يعطي صوره حية عن جغرافية الطريق وشبكاتها وتعليل قيام الطريق في أماكنها ومدي أثر العوامل الجغرافية في تحديد مسارها والغايات و الأهداف التي قامت الطريق من أجلها .

كذلك أشار ابن فضلان إلي المراصد والخانات والرباطات التي  قامت علي الطريق من اجل ربط أطراف المملكة الإسلامية حيث الثغور أو فروج البلدان بقاعدة الدولة في بغداد أو ضماناً للحماية العامة بما فيها المسافرين والتجار وحراسة القوافل.

خامساً : في مجال الظواهر الطبيعية :

تحدث ابن فضلان عن بعض خصائص المناخ في الأقاليم التي مر بها فيرض للقارية ممثلة في الزمهرير الذي يصل إلي حد التجمد في الشتاء وما يسقط من ثلوج خلال الرياح العاصفة علي نحور ما نعرف من سمات مناطق الاستبس الآسيوي.

وينتقل ابن فضلان إلي بيان أثر البرودة علي السكان في حياتهم حيث يتطلب الأمر ضرورة توفير الحطب كمادة وقود طلباً للدفء لأن المبيت علي غير نار يعني الموت من شدة البرد ، ويشير في هذا المجال إلي أن الأصدقاء يدعون بعضهم بعضا للحديث علي نار طيبة.

أما عن آثار البرودة علي المسكن فتتمثل في المادة التي يصنع منها وهي اللباد ، أما الملابس فتكون من الفراء ، والأدوات المستخدمة تكسي بالجلود حتى لا تتشقق.

وتمتد آثار البرودة إلي مياه الأنهار فتتجمد لمدة أسابيع علي نحو ما ذكر عن نهر جيحون وذكر انتشار الأغطية الجليدية علي الأرض والنبات.

أما الرياح فهي شديدة في مثل هذه السهول الفسيحة وباردة مما يؤثر علي السكان في نشاطهم اليومي أو تخلو الشوارع والأسواق من المارة.

كما يلتفت ابن فضلان إلي كثرة الصواعق في بلاد الصقالبة ، وأن من عادتهم هجر المنازل التي تصيبها الصواعق اعتقاداً منهم بنزول الغضب الإلهي عليها.

ولعل الأنهار من أكثر المظاهر الطبيعية التي وقع اهتمام ابن فضلان بها ، فهو يصف الأنهار وما يتخللها من بحيرات خاصة نهر إتل ( الفولجا ) ونهر جيحون ، ويذكر روافد الأنهار ، ويعرض لما ينمو علي ضفاف الأنهار من أشجار ، وما في النهر من ثروة سمكية ، ومن الطريف حرص ابن فضلان علي القيام بقياسات بالزراع لمعرفة عرض النهر ، وعمق المياه في المتوسط وأعمق المناطق عند اجتياز هذه الأنهار مثل نهر جيحون.

سادساً : في مجال النظم الاجتماعية للسكان :

حرص ابن فضلان علي تسجيل هذا الجانب من حياة السكان في الأماكن التي زارها علي اختلاف عادات وتقاليد ومعتقدات الشعوب التي مر بأرضيها ، خاصة أنه كفقيه ينظر ويقارن بين هذه النظم وبين نظام الإسلام ، كما يقارن بين المستوي الحضاري لهذه الشعوب والقبائل وبين المستوي الحضاري في مملكة الإسلام.

قد أعطي العادات الاجتماعية من زواج وأفراح وأحزان عند الوفاة قدراً من الاهتمام مع الوصف الدقيق، كما أشار إلي عادات المأكل والملبس مما يفيد في دراسة تلك الشعوب اجتماعيا وحضاريا .

وهكذا نجد ابن فضلان رائد في مجال وصف عادات القبائل والشعوب ويذكر الطقوس والمعتقدات والنظم الاجتماعية بما يفيد أصحاب الدراسات الاجتماعية التاريخية عن هذه الشعوب التي يقل عنها الحديث في عصره.

الخلاصة :

علي الرغم من أن ابن فضلان لم يكن جغرافياً بالمعني المعروف في عصره ، بل ولم يكن رحالة يتخذ من الرحلة أسلوب حياه ، إلا أنه أصبح في إطار أو دائرة الرحالة العرب بفضل ما تمتع به من نظرة فاحصة ، وفضول شديد إلي المعرفة وأمانة وصدق في التعبير والتصور ، وقد كان من نتاج ذلك في النهاية هذه الجملة من الملاحظات العامة عن حياة الشعوب والقبائل التي مر بها وعن البيئات التي عاشوا فيها.

وإذا كان ابن فضلان لم يتحدث عن الجانب السياسي من الرحلة – وهي الغاية الأساسية من السفارة – إلا أنه من المتصور أن تكون أجزاء من الرحلة قد فقد أو أن مهامه التي قام بها لا تسمح له بسرد هذه التفصيل خاصة وأن هناك جوانب حربية كبناء حصن وموضعه وتفاصيل مكوناته.

مهما يكن من أمر فحسب ابن فضلان أنه استطاع أن يضيف إلي التاريخ والثقافة و الفكر الجغرافي                    هذه الصفحات الثمينة التي أثارت إعجاب واهتمام العلماء والدارسين ونالت التقدير العظيم منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي بل ولا تزال تحظي بمثل هذه العناية.

وهكذا أصبحت رحلة ابن فضلان مثالاً واضحاً لما تقدمه الرحلة الجغرافية من أثراء للمكتبة الجغرافية في مجال الفكر الجغرافي في العصر الوسيط.

مراجع دراسة أحمد بن فضلان

1 – سامي الدهان : رسالة ابن فضلان في وصف الرحلة الي بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة .                المجمع العلمي بدمشق 1959م.

2 – زكي محمد حسن : الرحالة المسلمون في العصور الوسطي.

3 -نفيس أحمد : جهود المسلمين في الجغرافيا . ترجمة فتحي عثمان.

4 – نقولا زياده : الرحالة العرب . القاهرة 1959.

5 – نقولا زياده : الجغرافيا والرحلات عند العرب . لبنان 196

6 – عبد الوهاب عزام : البلغار المسلمون . مجلة الثقافة لعام 43 / 1944.

7 – كراتشكوفسكي : تاريخ الادب الجغرافي.

8 – فوزي العنتيل : رسالة ابن فضلان . تراث الانسانية . المجلد الثامن.

9 – نجدة فتحي صفوة : رحلة ابن فضلان أول دبلوماسي عربي في روسيا . مجلة آفاق عربية . بغداد 1976.

10 : س.م . ضياء الدين علوي : الجغرافيا العربية في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين . تعريب وتحقيق عبد الله الغنيم وطه جاد . الكويت 1980.

11 – أحمد ابو سعد : أدب الرحلات .  بيروت 1961 .

12 – منيور سكي : الجغرافيون والرحالة المسلمون . ترجمة عبد الرحم حميده . االكويت 1985.

13 – بارتولد : تركستان من الفتح العربي الي الغزو المغولي . ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم . الكويت 1981 .

* ملك البلغار في هذه الفترة هو آلمش بن شيلكي الطبر، وكلمة الطبر لقب يطلق علي قيصر البلغار. وهذه من الأشياء التي لم يذكرها الدكتور عبد العال الشامي ، وقد اطلعت عليها في كتاب ( رحلة بن فضلان إلي نهر الإتيل ) لسلطان شمسي وهو رجل من كازان أو قازان وهي البلغار سابقا وهي عبارة عن رواية لنص قديم قام بترجمته الدكتورة سامية توفيق ونشرته الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسة آفاق عالمية.

ــــــــــ

* كاتب مصرى

المصدر: خطوات

المزيد

رحلة أحمد بن فضلان في وصف بلاد الترك و الخزر و الروس و الصقالبة

تدوينات مرتبطة:

معارك جغرافية .. من محاضرات يوسف فايد

رحلة ابن فضلان بقلم عاطف معتمد:

المقدمة : رحلة “ابن فضلان”… بين الرسالة والذوبان

1- حول الرحالة ورحلته

2- من بغداد إلى روسيا.. محطات الرحلة

3- بين الرسالة والذوبان فى الآخر

مواقع ذات صله:

خزانة التراث العربى – الجغرافيا و الرحلات 

مكتبة المصطفى – الكشوف الجغرافية 

البوم الصور

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

One thought on ““رحلة أحمد بن فضلان” من محاضرات الدكتور عبد العال الشامى

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s