بالخرائط: مدينة سبتة المسلمة… أقدم احتلال في التاريخ!

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

كَتَب: مولاي المصطفى البرجاوي*

* مدينة سبتة، أصل التسمية

* أهمية مدينة سبتة الاستراتيجية والعلمية عامل أساس في الاحتلال

* سبتة قبل الاحتلال الإسباني

* مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي وما تلاها

1- مدينة سبتة إبان الفتح الإسلامي

2- خلال العصر المرابطي

3- خلال عصر الموحدين

4- خلال أواخر عصر الموحدين ومرحلة الإمارة العزفية

5- في عهد المرينيين

6-في عهد الدولة السعدية

* سبتة إبان الاحتلال الإسباني

*سبتة، أبرز المحطات الجهادية لاسترجاعها من براثين الغزو الصليبي الإسباني

* الطرق الحديثة لتكريس الاحتلال الإسباني لمدينة سبتة

1- طمس المعالم الإسلامية

2- الزيارات المتكررة للمسؤولين الإسبان

3- تغييب دور العلماء

4- سبتة وثقافة “المورو” إسلاموفوبيا

5- استغلال ظاهرة “الإرهاب” للإجهاز على المسلمين وإسكات أصواتهم

تتعرَّض بلدانُ العالم الإسلامي لعملية القضم والتجزيء والتشرذم مِن قِبَل الدول الباغية من الغرب الإمبريالي، لعلَّ ما تشهده الساحة الإسلامية اليوم دليلٌ قاطع، وبرهان ساطع على جشع المحتل، الذي لا يهدأ له بالٌ حتَّى يجثم على أنفاس الضعفاء، أليست فِلَسطين الحبيبة أسَّ القضايا الإسلامية ومحور ارتكازها، أليستِ العراق وأفغانستان امتدادًا لها… ثم ألَمْ تمتدَّ جراحاتُ العالم الإسلامي لتغطي مساحات لا حصر لها؟ ألم يتمدَّدْ أخطبوط الاستِخْراب الغربي لينهش أمعاء الأمة الإسلامية الحيوية؟ ألم يستولِ على أرْضِها وثرواتِها ويأكل الأخضر واليابس فيها كالنار في حشيش جاف؟

 بعد أن أخذت مناطق عديدة من العالم الإسلامي البحث والدراسة، يكون من الأَوْلى كما قال الشاعر:

وَأَيْنَمَا ذُكِرَ اسْمُ  اللَّهِ فِي بَلَدٍ        عَدَدْتُ ذَاكَ الحِمَى مِنْ صُلْبِ أَوْطَانِي!
حقًّا لقد مرَّت منطقة الغرب الإسلامي بفترات طويلة من الصراع مع إسبانيا النصرانية، منذ سقوط آخر مملكة إسلاميَّة في الأندلس (غرناطة سنة1492م) وخروج المسلمين من الأندلس، وبقيتْ آثار هذا التاريخ المشترك تُلقي بظلالِها على العلاقات المُعاصرة بين الطرفين؛ إذْ لا تزالُ بعضُ القضايا الشائكة عالقةً بينَهُما، لا سيَّما مدينتا سبتة ومليلية اللَّتان تقعان في شَمال المغرب والجزر المحيطة به.لِمحاولة تعريف أبناء الأُمَّة الإسلاميَّة بأراضيهم المغتصبة، مع مساندة المنتظم الدولي الظالم لها؛ إذ نصَّت “معاهدة شينجن” صراحةً أنَّ المدينتَيْنِ هُما “الحدود الجنوبيَّة لأوربا”، أضِفْ إلى ذلك أنَّ الأمم المتَّحدة لم تَذكُر ولو بندًا واحدًا يذكر بمغربية مدينة سبتة، برغم الشواهد التاريخية والجغرافية؛ لتتمادى في ظلمها وغيِّها وجبروتها! – يكون من الواجب علينا دراستُها دراسةً مُستفيضة؛ ليتبيَّن لِلقارئ الطرقُ الملتوية التي يسلكها الغرب الحاقد في نهب أراضينا!وتُعَدُّ مدينة سبتة والثغور المحتلة إلى اليوم (مليلية والجزر الجعفرية) إحدى مخلفات المجابهة بين العالم الإسلامي وأوربا الكاثوليكية في فترة الحروب الصليبية في القرن الخامس عشر الميلادي، والتي كان البحر المتوسط مسرحًا لَها، فمنذُ وقتٍ طويل ارتبط مصيرُ المدينتَيْنِ بِالمضيق البحريّ العام الذي يربط المتوسط بالمحيط الأطلسي، وقد دفعَتْ مدينة سبتة طوال مرحلة المواجهة بين أوربا والعالم الإسلامي من خلال الحملات الصليبية ثمنَ موقعِها الجغرافي الإستراتيجي، الذي جعلها بوابة العالم الإسلامي للزحف على أوربا، ومنفذ الصليبيين لإحكام السيطرة على أراضي الإسلام، ولعلَّ أوربا النَّصرانيَّة كانت تتطلَّع إلى احتِلال هذا الثَّغر الإسلامي، وتَحويله إلى قلعة ضدَّ تمدُّد أطراف العالم الإسلامي نحو القارة العجوز، وهي تستعيد ذِكْرى عبور الفاتح “طارق بن زياد” منه نحو الأندلس في عام 92هـ.[1]فمنذ استقلال المغرب عن فرنسا وإسبانيا وهي تُطالب بِمدينتَي سبتة ومليلية، وبعضِ الجزر الصغيرة قبالةَ الساحل الإفريقي؛ مثل بلازاس وسوبيرانيا وجزر الكناري؛ لكن للأسَف دون تَحقيق أيّ تقدُّم ملموس؛ إذ تُصرّ إسبانيا الصليبيَّة على احتِلال أجزاء مهمَّة واستراتيجية في المغرب!

إذًا تَعتبر المملكةُ المغربية، ومنذ استقلالها، سبتةَ جزءًا لا يتجزَّأ من التراب المغربي، وترفض الاعتراف بشرعيَّة الحُكم الإسباني على مدينتي سبتة و مليلية والجزر الجعفرية[2] Chafarinas، و يدعمها في ذلك كلُّ دول الاتحاد الإفريقي، ويطالب المغربُ إسبانيا بالدخول في مفاوضات مباشرة معها؛ لأجل استرجاعهما، كما تعتبرهما إحدى أواخر معاقل الاستعمار في إفريقيا، غيرَ أنَّ المنطقة لم تصنِّفْها الأممُ المتحدة بعدُ ضمنَ المناطق المحتلة والواجب تحريرها[3].

وفي هذه المقالة، سنحاول دراسة فصول احتلال مدينة سبتة المغربية السليبة – التي هي نقطة وجزء من بلدان العالم الإسلامي المغتصبة – التي عمر فيها الاحتلال البرتغالي ثم الإسباني إلى اليوم مدة لا يَقبَلها عقلُ المُنصِف من الأعداء قبل عقل ذَوِيها! بل الغريب ما يمارسه الإعلامُ الإسباني من تضليل وترويج لأكاذيبَ باطلةٍ علميًّا وجغرافيًّا وتاريخيًّا وثقافيًّا؛ من أن الوجود الصليبي الإسباني بمدينة سبتة يعود إلى عصور غابرة، وأنَّها استولتْ عليها بالقوَّة، وهي وسيلة شرعية في تلك الفترة للاستيلاء على أراضي الغير! كما يُروِّجون أيضًا لرؤيةٍ مفادُها: أنَّ سبتة تمَّ احتلالُها في وقت لم تكن فيه المغرب دولةً ذات سيادة! أمَّا الحجَّة المفضوحة هو ادعاؤها أن الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوربي تعترف بأن سبتة ومليلية من الجزر الإسبانية!

 وقد تمَّ الرَّدّ على هذه الطروحات الفاشلة من قِبَل المؤرِّخين والعلماء، ومن أبرزها:

– أنَّ الاحتلال العسكري لأرض الغير لم يَكُنْ في يوم من الأيام حُجَّة تخول حقَّ الاحتفاظ بما تم احتلاله، وإذا فرضنا جدلاً أن الاحتلال بالقوة حجة، فلماذا لم تعترفْ إسبانيا بمشروعيَّة تلك الحجةِ عندما يتعلَّق الأمر بجبل طارق[4] المحتل بدوره بالقوة من إنجلترا منذ 1704م؟!- أما الحجة الثانية فقد ردَّ عليها المؤرخُ المغربي محمد عزوز حكيم بقوله: “بأنه قول فيه افتراء على التاريخ، الذي يشهد أن المغرب دولة ذات سيادة وسلطان منذ أن أسَّس المولى إدريس الأول دولتَه سنة788م؛ أي قبل أن تُصبح إسبانيا دولةً معترفًا بها بين الدول بأكثر من سبعمائة سنة، بدليل أنها لم تصبح دولة قائمة الذات إلا في سنة 1492م؛ إذ كانت خاضعة لنفوذ دولة المرابطين والموحِّدين والمرينيين”[5].أمَّا على المستوى الجغرافي؛ فيكفي إلقاء نظرةٍ على الخريطة المغربيَّة، يتبيَّن بالملموس أنَّ سبتة تكون جزءًا من التّراب المغربي، شأنُها في ذلك شأن مليلية وبعض الجُزُر المحتلة من قِبَل الإسبان، فلِمَ السطو والترامي على سيادة الغير؟ في وقت تُرْفَع فيه شعاراتٌ رقْراقة في الغرب من تَحرير البلدان! ونشر ما يسمونه الديمقراطية! فلِمَ الضحك على الذقون؟!- أمَّا الحجَّة الثالثة فهي باطلةٌ من أساسِها، بدليل ما قامتْ به الولايات المتحدة من غزوٍ ودمار ضدَّ العراق، بالرَّغم من رفض الأمم المتحدة، أيّ نفوذٍ لِهذه المؤسسة، أليستْ هي في الأصل مؤسسةً تَخدم مصالح الغرب؟ متى كانت في صفِّ الضعفاء؟!ولله الحمد والمنة، أن إسبانيا أصابتها نفس المصيبة التي ابتليت به المغرب في ثغوره وجيوبه المحتلة؛ فجبل طارق ما يزال محتلاًّ من طرف بريطانيا العظمى، وبالرغم من ذلك فلا بُد من تحرُّكات دولية مكثفة، والغريب في الأمر أنَّ علماء المغرب إلى الآن لم يصدر منهم أيُّ فتوى بخصوص قضية احتلال سبتة وباقي الثغور المغربية المحتلة من قِبَل إسبانيا الصليبية!!!لكن لا أخفي في هذا الباب تمعري الشديدَ، وحيرتي العميقةَ من بعض الأفكار الواردة في بطون بعض المصادر التاريخية، التي يُروِّج لها بعض المؤرخين؛ أمثال ما سطره المؤرخ المغربي محمد داود من أن: “الشيخ عبدالقادر التبين أخبر أن مدينة سبتة سيحتلُّها الكفار ويبقون فيها مدة، ثم يسترجعها من يدهم رجلٌ قرشي من أهل البيت اسمه محمد…”[6].وكأن الأمر يَحتاج فقط إلى رؤى ومنامات المتصوفة وشطحاتها؛ بل الأدهى من ذلك انتظار عودة المهدي المنتظر!
أُمُورٌ يَضْحَكُ السُّفَهَاءُ مِنْهَا        وَيَبْكِي مِنْ عَوَاقِبِهَا اللَّبِيبُ!
مدينة سبتة، أصل التسمية:
وقد اختلفت الروايات في هذا الباب؛ هناك مَن ذهب إلى أنَّ تسمية سبتة مشتقَّة من الكلمة اللاتينية Septem، التي تعني سبعة؛ لوجود سبعة جبال حول المدينة[7]. كما يذهب الكثير من المؤرخين القدماء العرب أنَّ اسم المدينة يُنسَب إلى تأسيس سبتة إلى ما يسمونه سبت بن سام بن نوح – عليه السلام، استنادًا إلى التَّجانُس بين الكلِمتين[8]. كما يميل الاعتقاد أنَّ للوجود الروماني بِموريتانيا صلةً باسمها؛ إذ إنَّهم دعوها Septeme Trolés، ومنه اشتق اسم Septa، وبالتالي أَطلَقت عليها المصادرُ العربية سبتةَ. ويعود أوَّل تعريفٍ بالاسم إلى سنة 204 ق. م[9]؛ من هنا لا يمكن الحسم بصحَّة هذه الرّواية أو تلك!
أهمية مدينة سبتة الاستراتيجية والعلمية عامل أساس في الاحتلال:
– جغرافيًّا: تقع في أقصى الشمال الغربي للمغرب، وتحتل موقعًا استراتيجيًّا بالغ الأهمية، فهي شبه جزيرة مطلَّة على حوض البحر الأبْيض المتوسّط، وعلى بوغاز جبل طارق، يُحيطُ بِها الماء من الجهات الثلاث الشَّمالية، والشَّرقية، والجنوبيَّة، ولا يَفصِلها عن السَّواحل الأندلسيَّة سوى 21 كيلو مترًا، وتبلغ مساحتها 19 كيلو مترًا، وطولها من الشرق إلى الغرب 1000م، ومن الشمال إلى الجنوب 1500م. تمتد مساحة سبتة الحالية في حدود 20,12 كلم2 ويبلغ محيطها 28 كيلو مترًا، 20 كلم من هذا المحيط تشكل شريطًا بحريًّا، والباقي 8 كلم) يمتد غربًا عبر الشريط الأرضي المتصل بالحدود المغربية.

– وتاريخيا: احتلها البرتغاليون عام 1415 م ثم الإسبان عام 1580 م.

– وتاريخيًّا: شهدَتِ المنطقةُ فتراتٍ تاريخيةً زاهية – كما سنرى – جعلها محطَّ أنظار الإمبرياليين؛ من ثَمَّ احتلها البرتغاليون عام 1415م، وبعد ذلك الإسبان عام 1580م.

لم تكن حاضرةُ سبتة لتتعرَّض للاحتلال البرتغالي ثم الإسباني، ويطبق عليها ليلُ الاستخراب الذي عمَّت غياهبُه مختلفَ معالم الهوية الإسلامية مسخًا وتشويهًا! وحوَّلت المدينةَ الشعلة إلى كومة رماد، بعد أن أخلى معظم أهلها وشرَّدهم، ودمَّر عمرانَها، واختلس مدَّخراتِها – لولا قدرُ الله، ثم تناحُرُ أهلها، ثُمَّ بوصْفِها إحدى منارات الإشعاع الفكريّ والعلميّ، وذروة للتوسع العمراني، ويظل الموقع الإستراتيجي من العوامل الأساسية؛ إذ تقع مدينة سبتة الساحلية في شبه جزيرة متَّصلة بأقصى شرق الغرب المغربي، وتبعد عن أقرَبِ نقطة بأوربا باثنَيْنِ وعشرين كلم، كما سجل التاريخ بكونها كانت مركزًا عسكريًّا حصينًا بِحُكم تضاريسِه الحدوديَّة، لهذا قدَّر الله – سبحانه وتعالى – أن تلعب دورًا متميزًا ورياديًّا في تاريخ العلاقة بين المغرب والأندلس كممرٍّ وكقاعدة بحرية.

أمَّا دورُها في الميدان الاقتصادي؛ فإنَّه بلغ الذّروة بين القَرنَيْنِ الحاديَ عشر والثالثَ عشر، وهي الفترة التي أعيدت فيها العلاقاتُ التِّجارية بين العالم الإسلامي وأوربا النصرانية.[10] كما تذكر المصادر التاريخيَّة أنَّ الدَّافِع الاقتِصاديَّ كان وراء رغبة المهدي بن تومرت في السيطرة على سبتة برغم ما لاقاه من مقاومة شديدة من قِبَل العلاَّمة القاضي عياض.[11]

على المستوى العلميّ كانتْ مدينة سبتة خلال القرْن السادس والسابع الهجري من أهم مراكز الحركة العلمية في السواحل المغربية، وبِخاصَّة أنَّ هذه المدينة أنْجبتْ أكبرَ شخصيَّة عِلمية مغربيَّة، هو القاضي عياض – رحمه الله – الذي ولد سنة 476 هجرية، كذلك أوَّل شخصية علمية في تاريخ الجغرافية، وهو الشريف الإدريسي السبتي المتوفى 562 هجرية، الذي وضع أوَّل خريطةٍ رسم فيها العالم، وبيَّن مواقعَ البلدان والبحار والأنهار والجبال، ثُمَّ شرح ذلك في كتابه “نزهة المشتاق” الذي قسم فيه الأرض إلى سبعة مناطق، وكل منطقة قسمها إلى عشرة أقطار متساوية.

وقد تعرَّض الحسنُ الوزان الملقَّب بـ”ليون الإفريقي” (توفي سنة 944هـ) في كتابه “وصف إفريقيا” لذِكْر سبتة، فقال: “وكان فيها كثيرٌ من الجوامع والمدارس، والعديد من الصنَّاع ورجال الأدب والفكر، وكان فيها نَحَّاسون مَهَرة يصنعون الشمعدانات والأطباق والمحابر وغيرها، وكانت هذه المصنوعات تُباعُ كما لو كانت من فِضَّة، وقد رأيت منها في إيطاليا، وكان كثير من الطليان يعتقدون أنها صُنعت في دمشق”.

كما شكَّلت سبتةُ البوَّابةَ التي عَبَر منها المسلمون – كما سنرى إن شاء الله – نحو أوربا مؤسِّسين دولة عمرت أكثر من 8 قرون، ساهَمَتْ في تنوير الأوربيّين، وإخراجهم من ظلمات القرون الوسطى!

سبتة قبل الاحتلال الإسباني:
يشهَدُ التَّاريخ – تاريخ ما قبل الإسلام وما بعده – بِمغربيَّة مدينة سبتة، وذلك حتَّى قبل أن توجد إسبانيا كدولة، واستمرَّت مغربية عربية إسلامية على مرّ العصور، حتَّى هاجمَتْها الحملة الصليبية بزعامة البرتغال وبمباركةٍ من البابا، واحتلَّت يوم الأربعاء 15 جمادى الأولى 818 هـ، الموافق ليوم 21 غشت 1415م)، فكانت بذلك أول أرض تستعمر في المغرب العربي، وأول بلد إفريقي يستولي عليه المحتل الأوربي في العصور الحديثة[12] وما يزال! ومما لا ينبغي أن يخفى على كل مهتمٍّ وغيور على دينه وأمته – أن المغاربة المسلمين لم يرضخوا عبر تاريخهم المجيد لوجود أجنبي فوق أرضهم، كما تشهد الكتابات التاريخية عن دور المجاهدين المغاربة في عهد الموحِّدين، في تلبية نداء صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله – في استرجاع بيت المقدس من أيدي الصليبين، فقد خاضوا معارك بطولية في عهد يوسف بن تاشفين، وعبدالمومن الكومي وعبدالكريم الخطابي؛ لتحرير الثغور الشاطئية، ونجحوا في طرد المستخرب الصليبي، باستثناء سبتة ومليلية والجزر الجعفرية – عجَّل الله بردِّهم إلى أرض المغرب. ولا ننسَ في هذا المضمار أن نسجِّل فترات القوة بالنسبة للمغرب، خاصة في عهد السعديين الذين انتصروا على الإيبريين في معركة تاريخية مشهورة، هي معركة وادي المخازن يوم30 جمادى الأولى سنة 968هـ/ 4 غشت 1578م (هزمت أعتى دول العالم الصليبي في تلك الفترة)، وفي عهد مولاي إسماعيل السلطان العلوي- أن يسميها بعض دارسي التاريخ المغربي “بمغرب الفرص الضائعة”! قدر الله وما شاء فعل.

أخي القارئ الكريم؛ إليك أهمَّ المحطات التاريخية التي مرَّت بها المدينة المغتصبة والسليبة مِن قِبَل إسبانيا الصليبية:

* مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي وما تلاها:
 وقد تمتَّعتْ سبتةُ بِموقع إستراتيجي متميّز؛ لذلك سيطر عليها الرومان في عام 42 بعد الميلاد، وبعد ذلك بنحو 400 عام طردتْ قبائلُ الوندال بقيادة جنصريق الرومان من المدينة، وبعد ذلك سيطر عليها البيزنطيون (إلى درجة أن مدينة سبتة استحقَّتْ لقبَ عاصمة موريتانيا كلها) فالقوط القادمين من إسبانيا. وما إصرار الدول المتعاقبة للسيطرة على هذه المدينة المغربية إلا لأهميتها الاستراتيجية والجغرافية! 
1- مدينة سبتة إبان الفتح الإسلامي:
قصة الفتح الإسلامي هو استمرار لعهد الصحابة الكرام، ومِن بعدهم التابعين – رضي الله عنهم أجمعين، فبعد وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – استمرَّ الفتحُ ينطلق في كلِّ اتجاه حتى وصل للغرب الإسلامي، وفُتح على يد عقبة بن نافع، ولكن بلاد المغرب كانت غير مستقرة وفى ثورة دائمة، حتى جاء القائدُ المسلم العظيم موسى بن نصير، واستقر شمال إفريقيا علي يديه ما عدا مدينتي سبتة وطنجة.وعندما أطلت الجيوش الإسلامية الفاتحة، أسرعت القوات البيزنطية في الانسحاب نحو الشرق تاركةً الفراغَ لأمير غمارة المعروف بيوليان (أو جوليان)، وكان هذا الأمير حاكم مدينتي سبتة والجزيرة الخضراء وتوأمتي المضيق.ولمدينة سبتة – كما تذكر المصادر التاريخية العربية – قصةٌ عجيبة أثناء الفتح الإسلامي للمغرب، فقد تمَّ فتحُ كل المناطق باستثناء مدينة سبتة التي استعصت على الفتح بفضل موقعها الحصين، و كان يحكمها ملِكٌ نصراني اسمه يوليان (والذي قيل إنه أسلم بعد أن اقتنع بعدالة الاسلام وبأخلاق المسلمين، مقابل جور القوط ونذالتهم)، وكان على علاقة سيئة بملك الأندلس آنذاك النصراني لوذريق (Rodrigo)، و تذكر الروايات التاريخية أنَّ يوليان هذا قام بتوفير القاعدة للمسلمين المحاصرِين لسبتة والمرابطين بطنجة على الهجوم على الأندلس، وقدَّم لهم المعلومات عن الحالة السياسية ببلاد القوط؛ انتقامًا من لوذريق.و بغض النظر عن دور يوليان[13] في الفتح الإسلامي للأندلس، فالمسلمون ما كانوا ليقفوا أو يعجزوا عن فتح أرضٍ تظهر ضفتها من ساحل طنجة، وهذا عقبة بن نافع الفهري قد دخل بفَرَسِه في المحيط الأطلسي وقال مقولتَه الشهيرة: “يا رب لولا هذا البحرُ لمضيتُ في البلاد مجاهدًا في سبيلك، اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل مَن كَفَر بك حتى لا يُعبَد أحدٌ دونك”[14]، مع اختلاف في الروايات: هل فعلاً المحيط الأطلسي أم البحر المتوسط؟ إذ ساق روبير برا نشقك (1942 – 1947م) بعضَ الأدلة على أن عقبة لم يتعدَّ البحر المتوسط؛ إلا أن المؤرخ “ليفي بروفنسال” ومعه المؤرّخ ابن عذاري يرجِّحان دخول عقبة إلى المغرب الأقصى؛ ومن ثَم توقفه عند المحيط الأطلسي!!كان الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبرية استمرارًا لحركة الفتح العام، وتحقيقًا للمبادئ الأساسية التي تحرَّك من أجلها المسلمون من شبه الجزيرة العربية، وهي: نشر العقيدة الإسلامية، وتأمين حدودهم، فكان بذلك فتح الأندلس ضرورة لحفظ المغرب الإسلامي من غارات القوط الفرنجة والروم من إثارة الفتن فيه[15]. وقد شجَّع الفاتحين على العبور إلى الأندلس[16] ما كانت تعرفه المنطقة من فوضى سياسية، وظلم اجتماعي؛ حيث قام أحد أمراء القوط “لذريق” أو يسمى بـ”رودريجو” بالاستيلاء على العرش، وأخذ الحكم من أبناء (غيطشة)، فذهب أحد أبناء غيطشة واسمه (أكيلا) إلى يوليان يستنجد به، ووجدها فرصة للانتقام لشرف ابنته[17], توجَّه بعدها يوليان إلى طارق بن زياد[18] – رحمه الله – في طنجة يستنجد به وحَسَّنَ له غزوَ الأندلس, فأخبر موسى بنَ نصير[19] – رحمه الله – بذلك، فكتب موسى إلى الخليفة الوليد بن عبدالملك[20] في دمشق يستأذنه في فتح الأندلس، فأشار عليه الوليد: “أنْ خضها بالسرايا؛ حتى تختبر شأنها، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال”، فراجَعَه أنه ليس ببحر، وإنما هو خليج يتبيَّن للناظر ما وراءه، فكتب إليه: وإن كان، فلا بد من اختبارها بالسرايا[21]  . فقام بعملية استكشافيَّة للمنطقة؛ إذ أرسل حملة صغيرة بقيادة طريف الملقَّب بأبي زرعة، وجاز البحر في أربعة مراكب حتى نزل في ساحل البحر بالأندلس، في رمضان 91هـ[22].من هنا تشجَّع طارق بن زياد ونزل في مكان سُمّي فيما بعد بِجبل طارق[23]، وبنى له قاعدة بحرية في الجبل وسمّيت بالجزيرة الخضراء.شَعَر لذريق بهذه التحركات فجهَّز جيشًا من القوط وكان واثقًا من سحق المسلمين. لما عَرَف ابن زياد استعدادَ القوط أرسل إلى موسى يطلب المدد، فجاءه 5000 مقاتل بقيادة طريف بن مالك، وتمت المعركة الشهيرة بين الطرفين وسميت بـ(وادي لكة أو وادي برباط 28 رمضان 92هـ/ 19يوليوز711م)، وانتصر المسلمون على الرغم من تفوق عدوِّهم عليهم من حيث العدد والعدة!لكن ما استوقفني في هذه الفترة التاريخية – ما تروِّجه الروايات التاريخية عن قصةٍ تبدو للغالب كأنَّها صحيحة مقطوع بحقيقتها:
– وهي قضية خطبة طارق بن زياد: “أيها الناس أين المفرّ؟ البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم، وليس لكم واللهِ إلا الصدقُ والصبر…” التي تُعَدُّ من أروع الخطب الحماسية، لكنَّها أثارتْ جدلاً حادًّا بين الدارسين؛ إذ كيف يُعقل لحمْلةٍ مكوَّنة من جيشٍ معظمُه من البربر، أن يفهموا لغة فصيحة مثل هذه؟!- والقضية الثانية: حرق طارق بن زياد للسفن التي عَبَر بها من المغرب إلى بلاد الأندلس، وهي قصة اشتهرت كثيرًا في التاريخ الإسلامي والتاريخ الأوروبي، ويقال إن طارق بن زياد حرق السفن التي عبر بها من المغرب إلى بلاد الأندلس؛ ليحمس الجيش، وقال لهم: البحر من ورائكم، والعدو أمامكم؛ فليس لكم نجاةٌ إلا في السيوف. لقد وقفتُ عند ردود عديدة، لكن أشدها إقناعًا ما سطره أحد الباحثين بقوله: الحقّ أنَّ هذه الرواية لا يجب أبدًا أن تستقيم، وهي من الروايات الباطلة التي أُدخِلتْ إدخالاً على تاريخ المسلمين؛ وذلك للأسباب الآتية:

أوَّلاً: أنَّ هذه الرواية ليس لها سند صحيح في التاريخ الإسلامي؛ لأنَّ عندنا عِلم الرجال وعلم الجرح والتعديل، ولا بدَّ أن تكون الرواية منقولةً عن طريق أناس موثوق فيهم، فهذه الرواية لم تَرِدْ أبدًا في روايات المسلمين الموثوق في تأريخها، إنما جاءت فقط في الروايات الأوروبيَّة.
 ثانيًا: أنَّه لو حدث فعلاً حرقٌ لهذه السفن كان لا بد أن يحدث رد فعل من موسى بن نصير أو الوليد بن عبدالملك سؤالاً عن هذه الواقعة، فلا بدَّ أن يكون هناك حوار بين موسى بن نصير وبين طارق بن زياد حول هذه القضية، و لا بد أن يكون هناك تعليق من الوليد بن عبدالملك، ولا بد أن يكون هناك تعليق من علماء المسلمين: هل يَجوز هذا الفعل أم لا يَجوز، ولذلك فإن الكتب اختفى منها ردُّ الفعل تمامًا؛ مما يعطي شكًّا كبيرًا في حدوثها.
ثالثًا: أن المصادر الأوروبية قد أشاعت هذا الأمر؛ لأن الأوربيين لا يستطيعون تفسير كيف انتصر 12 ألفًا من الرجال الرجَّالة على 100 ألفِ فارسٍ في بلادهم وعقر دارهم، وفي أرض عرفوها وهم من الخيَّالية؛ فقالوا إنَّ طارق بن زياد حرق سفنَه؛ ليجبر الجنود على القتال فانتصروا؛ لأنَّ الأوربيين لا يستطيعون فَهْم القاعدة القرآنية: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]؛ بل إنَّ الأصل المتكرر في معظم المعارك الإسلامية أن يكون المسلمون قلِّة، وأن يكون الكافرون كثرة، وأن ينتصر المسلمون بهذا العدد القليل؛ بل إنه من العجب العجاب أنه لو زاد أعداد المسلمين انهزموا؛ كما حَدَث في حنين: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25].
رابعًا: أن المسلمين لا يحتاجون إلى تحميس بحرق السفن؛ فقد جاؤوا إلى هذه الأماكن راغبين في الجهاد في سبيل الله، طالبين الموت في سبيل الله؛ فلا حاجة للقائد أن يحمس المسلمين بحرق السفن.
خامسًا: ليس من المعقول أن قائدًا محنكًا مثل طارق بن زياد – رحمه الله – يحرق سفنه ويقطع خط الرجعة عليه، ماذا لو انهزم المسلمون في معركة من المعارك؟! يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15، 16]؛ أي إنَّ هناك احتمالَ أنْ ينسحبَ المسلمون من ميدان المعركة؛ إمَّا تحيُّزًا إلى فئة وفئةُ المسلمين كانت في المغرب في الشمال الإفريقي، فكيف يقطع طارق بن زياد على نفسه طريق الانحياز إلى فئة المسلمين، أو يقطع على نفسه التحرف إلى قتال جديد والاستعداد إلى قتال جديد؟! فإن مسألة الحرق هذه فيها تجاوز شرعي كبير لا يُقدِم عليه رجلٌ في ورع وتقوى وعلم وجهاد طارق بن زياد – رحمه الله، وما كان علماء المسلمين وحكَّامهم ليسكتوا على هذا الفعل إن حدث.
سادسًا: أن طارق بن زياد لا يملك كلَّ السفن؛ بل كانت مؤجَّرة من يوليان، وكان طارق بن زياد يعطيه أجره عن هذه السفن، وكان سوف يردُّها إليه عندما يرجع إلى ميناء سبتة؛ فليس من حق طارق بن زياد أن يحرق هذه السفن. لكل هذه الأمور نقول إن قصة حرق السفن هي قصة مختلَقة أُشيعت لتهوِّن من فتح الأندلس.
ما هو الموقف بعد موقعة وادي برباط؟
 المهم قدَّر الله – سبحانه وتعالى – أن ينتصر الجيشُ الإسلامي في 28 رمضان سنة 92هـ على جيش القوط، ثم فرَّ لذريق وحصلوا على كثير من الغنائم، استمر زحف طارق إلى طليطلة، وأتاه الأمر من موسى بتوقف الفتوحات؛ خوفًا على الجيش الإسلامي.ثم بعد ذلك جاءت الدولة الإدريسية – وهي أول دولة إسلامية في المغرب – التي استفادت من الفتوحات الإسلامية السابقة التي قادها الأمويون في المغرب، فبُويِعَ إدريس الأول من قِبَل قبائل أوربة وقبائل زناتة، وقد مهد له أرضيةَ المبايعة أخوه إبراهيم الذي كان مستقرًّا في طنجة وانتقل إلى سبتة، التي تشكل نقطة التقاء بين الخلافة الأموية في الأندلس والمغرب الذي كان عبارة عن مجموعة إمارات الخوارج (البورغواطيين والصفريين والإباضيين والأزارقة )؛ لكن الدولة انتظمتْ لإدريس بن إدريس، ومحا دعوة الخوارج منهم، واقتطع المغربين عن دعوة العباسيين من لدن سوس الأقصى إلى وادي شلف[24].كانت مدينة سبتة بعد سقوط الدولة الإدريسية تحت نفوذ الأمويين بالأندلس، ولما انقرضت دولتهم وخلفهم المرابطون ثم الموحِّدون وكان من جملة ما استردوه سبتة وما والاها، وظلَّت تحت حكمهم إلى أن استبدَّ بها “سكوت البرغواطي”[25]، وبعد سقوط الخلافة الأموية سادتها الفوضى حتى سيطر عليها المريدون [المرينيُّون]، واتخذوها أيضًا قاعدة للهجوم على الأندلس عام 1084م.
2- خلال العصر المرابطي:
كان بروز مدينة سبتة في القرن الخامس الهجري مع ظهور الدولة المرابطية التي وحدت المغرب والأندلس، وساهمت في توسيع الصلات العلمية؛ إذ تحوَّلت سبتة إلى “عاصمة لولاية كبيرة تشمل ربع مساحة المغرب الأقصى بما في ذلك مدينة فاس”، ومؤازاة لهذه المكانة الإدارية، حظيت المدينة بـ”دور تشريفي”، إذ غدت المرفأ الرئيس لعبور الحشود العسكرية المرابطية والموحدية لإنجاد مسلمي الأندلس أمام تصاعُد حدة حروب الاسترداد المسيحية بها.كانت الأندلس في هذه المرحلة مهدَّدةً بالزَّحف النَّصراني؛ نظرًا لانقسام المسلمين على أنفسهم إلى ما يسمى في التاريخ بـ”ملوك الطوائف” المتناحرة، ولما اشتدَّ الضغط النصراني على المسلمين استنجد “المعتمد بن عباد” – وهو أقوى ملوك الطوائف – بقوة المرابطين (بقيادة المجاهد يوسف بن تاشفين[26] – رحمه الله)، وسلمهم الجزيرة الخضراء، بعد الانطلاق من سبتة المغربية المدينة المحصنة، وبعد اتخاذ العدد والسلاح، اتجهت كتائب المسلمين إلى ناحية بطليوس، حيث التقت بقوات النصارى في معركة الزلاقة سنة 479هـ/ 1086م، وتمكَّن المرابطون بفضل الله – سبحانه وتعالى – مِن سحقِ الصليبيين، وانضمت الأندلس إلى حظيرة الدولة المغربية.
3- خلال عصر الموحدين:
ومما يؤكد مكانة سبتة في تاريخ المغرب أنَّ سكانها بقيادة القاضي عياض – رحمه الله – رفضوا حُكمَ الموحِّدين؛ اعتِقادًا منهم أن هذا الحكم لا ينسجم مع العقيدة الإسلامية التي تمثل عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا تأخذ بالمذهب المالكي، وتشير الروايات التاريخية أن المهدي بن تومرت قد سافر إلى المشرق لتلقي العلم، وهناك التقى بالعلماء، وتأثَّر بهم، كما التقى بالإمام أبي حامد الغزالي، الذي أحرقت الدولة المرابطية كتابه “الإحياء”، وعاد يدعو إلى نوع من الإصلاح الديني، كما ادَّعى الإمامة والعصمة التي تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة.وعندما قامت الدولة الموحدية واجهتْ معارضةً من العلماء الذين رفضوا التعاون معها؛ لأنها حاربت المذهب المالكي، وأحرقت كتبه، واضطهدت علماءه؛ ولذلك فإن القاضي عياض رفض أن تخضع مدينةُ سبتة لحكم الموحدين، وقاد حركةَ المقاومة ضد جيش الموحدين، واستطاعت مدينة سبتة أن تصمد أمام الموحدين، الذين استطاعوا فيما بعد أن يخضعوا هذه المدينة، وأن يُنشِئوا فيها أسطولاً بحريًّا قويًّا.
4- خلال أواخر عصر الموحدين ومرحلة الإمارة العزفية:
شكلت حالةُ الضعف والوهن التي دبَّت في أوصال جسم دولة الموحدين، وبوجه خاص بعد موقعة العقاب سنة 609هـ/ 1212م[27] – دافعًا قويًّا لتحوُّل بعض مدن المغرب العربي – ومنها سبتة – عن طاعتها، وتقديم ولائها لقوة جديدة تمثَّلت في الدولة الحفصية التي قامتْ في إفريقية (تونس) سنة 625هـ/ 1227م، إذ تقدم أهالي سبتة وأرسل حاكمها المعروف بابن خلاص البلنسي سنة 643هـ/ 1245م – وفدًا برئاسة ابنه في أسطول يحمل هديَّة إلى الأمير أبي زكريا يَحيى الحفصي، ولكنَّ الأسطول غرق بما فيه، وكان رد الأمير الحفصي إرسال ابن أبي خالد البلنسي، وابن الشهيد الهنتاني لحُكم سبتة وذلك في سنة 644هـ/ 1246م[28]، ولكن ابن أبي خالد تمادى في ظلمه وطغيانه لأهل سبتة؛ وهذا ما أثار الحقد والضغينة بينه وبين قائد الأسطول أبي العباس أحمد الرنداحي[29].
5- في عهد المرينيين:
بعد أن تمَّ للسلطان أبي يوسف يعقوب بن عبدالحق المريني (656 – 685هـ/ 1256 – 1258م) – إخضاعُ معظم أجزاء المغرب العربي، وأنهى دولة الموحدين، بقيَتْ سبتة وطنجة وسجلماسة خارجةً عن حكمه وسلطته، فقرَّر إخضاعهم قبل أن يبدأ بمهمة الجهاد في الأندلس؛ حتى لا تمتد الثورة من هذه المعاقل إلى باقي المغرب، فبعد أن عاد من حصار تلمسان، توجَّه لحصار طنجة التي كانت تحت حكم العزفيين، وحاصرهم مدة ثلاثة أشهر، ثم ساعَدَه على فتحها سهولة مسلكها، ومساعدة بعض جنودها الذين رفعوا راية الاستسلام، ونادوا بشعار بني مرين بسبب خلاف وقع بينهم، فاستغل الجند المريني الفرصة، وسارعوا إليهم وتمكنوا من اقتحام طنجة عَنوة، وإعطاء الأمان لأهلها وذلك في سنة 672هـ/ 1273م[30].ولما فرغ من أمر طنجة، أرسل ولده الأمير يوسف إلى سبتة فحاصرها، ولكنها صمدت، ثم وقعت معاهدة صلح بين الأمير أبي العباس العزفي والسلطان أبي يوسف المريني بشرط أن يحتفظ الأول بحكم سبتة واستقلال بني العزفي فيها؛ لقاء خراج سنوي يؤديه إلى السلطان المريني[31].ثم وضع العزفيون يدهم بيد المرينيين في جهادهم ضد النصارى في الأندلس، مدفوعين بروح الغيرة الإسلامية لا بقصد التبعية للمرينيين[32]؛ ولكن بعدما تعرضت إمارتهم إلى الاحتلال من قِبَل بني الأحمر واستردادها من قِبَل بني مرين[33]، تحوَّلت العلاقة من علاقة استقلال وتعاون إلى علاقة طاعة وتبعية؛ حيث قام المرينيون بعدة محاولات من أجل استرداد سبتة من أيدي بني الأحمر، فقد قام السلطان أبو يعقوب يوسف (685 – 706هـ/ 1286 – 1306م) بإرسال جيش بقيادة ابنه الأمير أبي سالم، لكنه فشل[34].لكن ما شهدته هذه المرحلة هو سقوط مدينة سبتة بأيدي الصليبيين البرتغال، وكان ذلك يوم الأربعاء 14 جمادى الثانية من عام 818هـ الموافق ليوم 21 غشت 1415م، ويُنعَت في تاريخ المغرب الوسيط بـ”يوم الكارثة” التي حلَّت بمدينة سبتة، حيث تعرَّض سكانها لمذبحة رهيبة على يد الصَّليبيين الغزاة، بعد مقاومة شرسة، وتَمَّ احتِلالُها من طرف البرتغال أيام أبي سعيد المريني (1398 – 1422م)، وأيام جواو الأول البرتغالي[35].وبذلك أسدل الستار على تاريخ مجيد، وحضارة لامعة، عرفتهما مدينة سبتة، جوهرة المغرب، ومنارة المضيق عبر العصور، وأدَّاها مصيرها لتكون أول أرض تستعمر في المغرب العربي، وأول بلد إفريقي يستولي عليه المستعمر الأوربي.
6-في عهد الدولة السعدية:
هم من أسرة عربية الأصل، انتقل أوائلهم مِن ينبعَ بالحجاز إلى درعة بجنوب المغرب، واستوطنوا قرية تاكمادارت، وذلك في المائة السادسة الهجرية كما هو موجود لدى من أرخ لهم.وقد أدى نجاح السعديين في سنة 1541م في تحرير أغادير/ سانتا كروز من أيدي البرتغاليين، إلى جلاء هؤلاء عن أزمور واسفي في نفس السنة، وأمام تزايد قوة السعديين، ونجاحهم في ضم مملكة فاس إليهم في سنة 1549م، جلوا أيضًا عن أصلة والقصر الصغير في سنة 1550م؛ ليركزوا وجودهم في سبتة وطنجة ومزاغان (الجديدة حاليًّا).لكن تظل الموقعة الكبرى في تاريخ الصدام المغربي – البرتغالي في معركة وادي المخازن في 4- 8-1578م، والتي انتهت بكارثة وهزيمة لم تتوقَّعْها البرتغال؛ إذ كان يقودهم ملكهم سباستيان وحلفاؤه، وفي مقدمتهم محمد المتوكل السلطان المغربي المخلوع، الذي التجأ إليه لطلب عونه لاسترداد الملك في المغرب من عمه عبدالمالك، حيث قُتل سباستيان في المعركة، كما قُتل المتوكل، ومات عبدالمالك فيها؛ مما جعلها تستحق اسم معركة الملوك الثلاثة. وفي سنة1530م تمكَّن فيليب الثاني ملك إسبانيا مِن ضمِّ مملكة البرتغاليين في أيبيريا وقواعدهم في المغرب وغيره إلى مملكته. لكن السؤال الذي بات يحير أغلب الباحثين في هذه الفترة التاريخية: لماذا يصر أغلب الباحثين على تسمية هذه المرحلة بمرحلة “مغرب الفرص الضائعة”؟! هل لأن الدولة السعدية لم تسترجع – وهي في أوج قوتها – مدنَها السليبة، وعلى رأسها سبتة؟ هل انشغالها بجلب الذهب من السودان، وتسخير كل الإمكانات العسكرية في السيطرة على هذه المراكز الحيوية، أم الانشغال بمسائل الترف من بناء القصور الفارهة (قصر البديع في مراكش الذي كلف الدولة آنذاك ميزانية ضخمة – كما تذكر أغلب المصادر التاريخية)؟! أم…؟!!
* سبتة إبان الاحتلال الإسباني:
وتعود بداية سقوط المدينة تحت الاحتلال الأوربي النصراني – كما ذكرنا آنفًا – إلى تضعضع إمارة بني الأحمر في غرناطة في القرن الخامس عشر الميلادي، حين بدأ الخلاف يدب بين أمراء المسلمين في الأندلس، “وصاح فوق كلِّ غصن ديكٌ” بتعبير لسان الدين بن الخطيب في وصف حالة هذا التهارج والاقتتال بين الأمراء، فانتهز زعماء قشتالة – إسبانيا حاليًّا – والبرتغال الفرصة للقضاء على الوجود الإسلامي في هذه البقاع الإسلامية، فيما سُمي بحروب أو حركة الاسترداد[36]، وكانت غرناطة آخرَ هذه القلاع التي سقطت عام 1492م، والمعروف تاريخيًّا أنه بعد سقوط الأندلس، أطلق بابا الفاتيكان يدَ إسبانيا في الساحل المتوسطي للمغرب، والبرتغال في الساحل الأطلسي. وعلى حين سقطت سبتة في يد البرتغاليين عام 1415م، بقيت مليلية تقاوم جيوش الإسبان حتى سقطت عام 1497م، في إطار خطة عامة للإسبان والبرتغاليين لمحاصرة أقاليم الغرب الإسلامي واحتلال أراضيه، ومن ثَم تحويلها إلى النصرانية؛ عملاً بوصية الملكة ” إزابيلا ” الكاثوليكية المذهب، والتي نصت على ضرورة قيام الكاثوليك بغزو بلاد المغرب، وتحويل المسلمين المغاربة إلى الدين النصراني، ورفع عَلَم الصليب المسيحي عليه بدلاً من أعلام الهلال الإسلامي، وظلت سبتة تحت الاحتلال البرتغالي إلى أن دخلت تحت التاج الإسباني ولم تخرج إلى اليوم[37].
خلاصة:
إذًا تغيَّرت السيادة على المدينة بين القوى المحلية، وسادتْها حالةٌ من عدم الاستقرار إلى أن احتلَّها البرتغاليون عام 1415 بقيادة الأمير هنري البحار، الذي كان يهدف إلى القضاء على نفوذ المسلمين في المنطقة ونشر النصرانية. وأصبحت المدينة إسبانية عندما تولى فليب الثاني ملك إسبانيا عرشَ البرتغال عام 1580، وبعد اعتراف إسبانيا باستقلال البرتغال تنازلت الأخيرة بمقتضى معاهدة لشبونة 1668 عن سبتة لإسبانيا.
*سبتة، أبرز المحطات الجهادية لاسترجاعها من براثين الغزو الصليبي الإسباني:
وقد قام المغرب بعدة محاولات لاستعادة المدينة من قبضة الاحتلال الأجنبي والغزو الصليبي النصراني – الإسباني، لعل أبرزها:* خلال القرنين 17 و18م: قام المولى إسماعيل (1083 – 1140هـ/ 1672 – 1727م) بمحاولة محاصرة واستعادة مدينة سبتة في القرن السادس عشر الميلادي.* وكذلك محاولة المولى محمد بن عبدالله (1171 – 1205هـ/ 1757 – 1790م) عام 1774م محاصرة واستعادة مدينة مليلية؛ لكن للأسف لم يفلح المسلمون في تخليصها من يد الإسبان.* وإبان الاحتلال الفرنسي – الإسباني للمغرب، قاد البطلُ المجاهد المغربي محمد بن عبدالكريم الخطابي – رحمه الله – بين عامي 1921 و1926م ثورةً ضدَّ الإسبان في الشمال المغربي، لكن إسبانيا تصدَّت لها بالتحالف مع دول أوربية أخرى بعد أن أشعلتْ ثورتُه شرارةَ الجهاد في المدينتين. وحاول الجنرال فرانكو دغدغة المشاعر القومية لسكان سبتة ومليلية لدعمه في حربه ضد حكومة الجبهة الشعبية، إذ وعدهم بمنحهم الاستقلال إذا ما تولى السلطة في إسبانيا، واستطاع بذلك تَجنيد الآلاف منهم في الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936م دون أن يفي بوعده لهم.وهكذا ظلَّ هذان الثغران المسلمان وباقي الجزر المغربية يدفعان الثمن باستمرار في كل مرة، مرة لموقعهما الجغرافي على الواجهة بين أوربا وإفريقيا، ومرَّة لوقوفهما مع الجنرال فرانكو، وثالثة بسبب زحف المسلمين من سبتة نحو شبه الجزيرة الأيبيرية.* ولم يتوقف المغرب عن المطالبة بوحدته الترابية، سواء في عهد الحماية أو بعد استرجاع سيادته واستقلاله (خطاب الملك محمد الخامس بطنجة سنة 1947، موقف المغرب في مؤتمر باندونغ في إبريل 1955 ووثائق المؤتمر، اجتماع مجموعة المغرب العربي بطنجة في مارس 1958، تصريح الملك الحسن الثاني في مؤتمر عدم الانحياز ببلغراد في شتنبر 1961…)، ومنذ حصول المغرب على استقلاله ظلَّت قضية سبتة ومليلية والجزر المحاذية – من أهم عوامل تأرجح العلاقات المغربية الإسبانية بين الهدوء والتوتر الذي اتخذ أحيانًا شكل أزمات حادة (جزيرة ليلى صيف 2004، زيارة ملك إسبانيا للمدينتين في نوفمبر 2007…)[38].* وذهب التحرك المغربي في هذا الملف إلى أن تناوله الملك الحسن الثاني مع بريطانيا في يوليو 1987، وأوضح بأن التنازل لإسبانيا عن جبل طارق يسهل التنازل الإسباني عن المدينتين والجزر التي تحتلها في الشمال المغربي.
وخلاصة القول: لن ينفع الإسبانَ هذا العنادُ والإصرار على اعتبار سبتة ومليلية والجزر التابعة لها أجزاء من التراب الإسباني؛ فالتاريخ والجغرافيا أكبر شاهد على مغربيتها، وليكن في علمهم: ما ضاع حق -مهما تقادم – وراءه طالب!

* الطرق الحديثة لتكريس الاحتلال الإسباني لمدينة سبتة:

1- طمس المعالم الإسلامية:
منذ احتلال سبتة بذلَتْ إسبانيا جهودًا كبيرةً لطمس ومحو المعالم الإسلامية فيها، وهي في العمق لا تختلف كثيرًا في شيء عن تلك التي بذَلَها الصليبيون والمغول في كل بقعة إسلامية وضعوا أيديَهم عليها، أو تلك التي يبذلها الصهاينة في فلسطين اليوم، فدُكَّت الصوامع، وهُدِّمت المساجد، ووضع بدلها الكنائس!
2- الزيارات المتكررة للمسؤولين الإسبان:
إذ أقدم ملك إسبانيا خوان كارلوس على زيارة مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين بتاريخ 5 و6 نوفمبر 2007م، وتأتي هذه الزيارة بعد زيارة سابقة قام بها “أثنار” رئيس الحزب الشعبي، و”ثباتيرو” رئيس الحزب الاشتراكي بصفة كل منهما رئيسًا للحكومة.لكن من خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإسباني – استفزازًا لمشاعر المغاربة، وتكريسًا للسياسة الاستعمارية الإسبانية لمدينة سبتة – تحرَّك المغرب على المستوى الدولي للحصول على اعتراف بسبتة كمدينة مغربية، لكن ما يحز في النفس ما صرَّح به أحد الإعلاميين في برنامج تلفزيوني على قناة الجزيرة القطرية (برنامج ما وراء الخبر) من أن السكان المغاربة الآن في ظل الاحتلال الإسباني أفضل من أن يكونوا تحت حكم السلطات المغربية؛ لاعتبارات اقتصادية!! ها هنا أذكر لصاحب الفكرة ما يدحضها: إذ كتب الصحفي الفرنسي ديان كامبون في جريدة (لوفيغارو: ترجمة: سعد بن أحمد/ الرياض 08 /08/ 2008) مقالاً بعنوان: “مدينة سبتة: الإسبان في مواجهة المد الإسلامي!”؛ أن مستوى البطالة في مدينة سبتة الأعلى في إسبانيا (35 % من المواطنين) غالبيتهم الساحقة من المسلمين. يضاف إلى ذلك الفشل الدراسي، حيث ينتظم 4 طلاب فقط من كل 1000 في المؤسسات التعليمية، وهو ما يعكس حالة الإهمال والتهميش التي يعيشها مسلمو إسبانيا في مدينة سبتة. وبحسب أحد أعضاء رابطة الحي الإسلامي فإن هذه العوامل مجتمعة تمثل “عناصر” مثالية لتحويل هذا الحي إلى برميل بارود قابل للانفجار في أي وقت.
3- تغييب دور العلماء:
إذ إن فتاوى العلماء ورأي المفكِّرين الذين يُفترض فيهم اقترابُهم من تفعيل الدور السياسي، وذلك بإعلانهم لمواقف تاريخية وشرعية تدشن لمرحلة حاسمة في استرجاع هذين الثغرين، نجدها على الهامش ولا أثر لها في هذا الجانب! 
4- سبتة وثقافة “المورو” إسلاموفوبيا:
ويطلق الإسبان على المغاربة المقيمين في المدينتين “المورو”، وهي تسمية مأخوذة من كلمة “موريسك” التي تعني في القاموس الإسباني المغاربة، وخاصة بقايا المسلمين من عهد سقوط الأندلس، غير أنهم حرَّفوها ليصبح معناها “المسلم” أو العربي، وأضافوا كلمة أخرى هي “مالو” التي تعني الشرير؛ ليصبح معنى عبارة “مورو مالو” هو المسلم الشرير، هذه الخلفية الدينية هي الثابتة في النظرة الإسبانية إلى المغرب وللسكان المسلمين في المدينتين، وتبقى مشحونةً بكل نزعات الكراهية نحو الإسلام والمسلمين، ومنذ بداية التسعينيات أصبحت نقطة الحدود المسماة باب سبتة بين سبتة والمغرب هي الحد الجغرافي للاتحاد الأوربي، وعُلِّقت على مدخل المدينة لوحة معدنية كبيرة مكتوب عليها: “أهلاً بكم في الاتحاد الأوربي”!![39].هذه الخلفية الدينية هي الثابتة في النظرة الإسبانية إلى المغرب والسكان المسلمين في المدينتين، وتبقى مشحونة بكل نزعات الكراهية نحو الإسلام والمسلمين، وتحكم الإستراتيجية الإسبانية حيال مصير ومستقبل المدينتين. ويرى الإسبان أن المغرب يمثل الامتداد الطبيعي للاستعمار الإسباني بعد أن ضيعت لإسبانيا إمبراطوريتها في أمريكا، وقد أظهر استطلاعٌ للرأي أنجز في إسبانيا عام 1996م أن 62 % من الإسبان يعتقدون أن البلد الذي يشكل خطرًا عليهم هو المغرب، وقال 71 % من المستجوبين: إن الخطر الرئيس ينبعث من المغرب العربي.ويعتقد الخبراء العسكريون والسياسيون الإسبان أنَّ الحرب مع المغرب بسبب المدينتين قد تهدد الأمن في منطقة البحر الأبيض المتوسط؛ نظرًا للأبعاد الدينية والحضارية التي يمكن أن تنشأ عن هذا النزاع، ففي أوائل الثمانينيات أصدر صحافي إسباني يدعى “داو منغوديلبينو” كتابًا عنوانه “المغرب وإسبانيا أو الحرب العالمية الثالثة” أكَّد فيه أنه بالرغم من المظاهر الإيجابية للعلاقات بين مدريد والرباط، فإنَّ شبح الحرب بسبب النزاع حول مدينتي سبتة ومليلية أمرٌ لا يُمكن تَجاوزه، لا سيما أنَّ هذه الحرب قد تورِّط أطرافًا ثالثة بِحُكم انتماء المغرب إلى العالم العربي الإسلامي والإفريقي، مما قد يوفر له الدعم الكافي، في حين أن إسبانيا تنتمي إلى الدول المسيحية الغربية، من هنا تكون هذه الحرب مرشَّحة للتدويل على نطاق واسع، والتحول في اعتقاده إلى حرب حضارية مسيحية – إسلامية. وقد أعدت المؤسسة العسكرية الإسبانية عام 1991م في أثناء حرب الخليج الثانية، مخططًا هجوميًّا حمل اسم “المخطط الإستراتيجي المشترك” ضد المغرب في حالة المواجهة، يبيِّن كيفية ضرب الأهداف الحيوية المغربية أثناء أي مواجهة محتملة، ويشرح الجنرال “دومنيك ريوطرد” هذا المخطَّطَ قائلاً: “في حالة تعقد الأمور سيكون الواجب الاعتماد على أطراف أخرى” في إشارة إلى دول حلف الشمال الأطلسي[40].
5- استغلال ظاهرة “الإرهاب” للإجهاز على المسلمين وإسكات أصواتهم:
وقفت في أحد المواقع على الصورة التخويفية الترهيبية التي تروِّجها إسبانيا عن الإسلام والمسلمين، وباعتبار قضية الاحتلال الإسباني لبعض الثغور المغربية لجأ الإعلام الإسباني إلى ترويج أكاذيب الإسلاموفوبيا المغربية؛ لقطع أي اتصال معه، وتشكيك المغاربة أنفسهم في قضاياهم المصيرية!
 إليك أخي القارئ بعضَ الصور الخيالية التي يصرُّ ذهنُ اليمين المتطرف الإسباني القاصر على ترويجها عن المغرب وعن المسلمين عامة:

خاتمةوهكذا تبقى سبتة ومليلية والجزر التابعة لها جرحًا آخرَ غائرًا في جسد الأمة الإسلامية، يذكِّرنا دومًا بما ضاع بالأمس وما يضيع اليوم! ولن تستعيد الأمة مجدَها وسؤددها إلا بالوحدة الإسلامية، وبالعودة الصادقة إلى تحكيم شرع رب الأرض والسموات، ولله درُّ الملهَم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: “كنا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلَّنا الله”.

إِذَا الإِيمَانُ ضَاعَ فَلا  أَمَانٌ        وَلا دُنْيَا لِمَنْ لَمْ يُحْيِ دِينَا
وَمَنْ رَضِيَ الحَيَاةَ بِغَيْرِ دِينٍ        فَقَدْ جَعَلَ الفَنَاءَ  لَهَا  قَرِينَا
واللهَ أسأل أن يَرُدَّ هذه الأمةَ الخيِّرة إلى دينها ردًّا جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مليلية وسبتة والجزر الجعفرية وجزيرة ليلى:  http://www.arabandalucia.com ، موقع عرب الأندلس، بتصرف يسير.
[2] وتسمى أيضًا جزر كبدانة، وهذا الاسم مشتق من الاسم الذي يطلقه الإسبان على هذه الجزر، وهو “شفاريناس”، وهي عبارة عن أرخبيل من أصل بركاني مكون من ثلاث جزر صغيرة تقع على مصب نهر ملوية، على بُعد ميلين من الساحل المغربي “رأس الماء”، و27 ميلاً من مدينة مليلية.
[3] موقع ويكبيديا.
[4] يقع جبل طارق Giblraltar في أقصى الطرف الجنوبي الشرقي من إسبانيا، وكان يطلق عليه قبل   الفتح العربي الإسلامي، الاسم الفينيقي الأصل جبل “كالبي Mons clape“، ومعناه “التجويف”، أو الجبل المجوَّف، وذلك لوجود كهف في أسفله من ناحية البحر، يعرف بـ”غار الأقدام”، ويسمى الآن بـ”مغارة القديس ميخائيل “San Migual، وقد تعدَّدت تسمياته بعد الفتح العربي الإسلامي؛ فقد عرف بـ”الصخرة”، وجبل طارق، ثم “جبل الفتح”، ولكن اسم طارق غلب عليه آخر الأمر، فصار يعرف حتَّى الآن في معظم اللغات الأوربية باسم “Giblraltar”. كان جبل طارق أول منطقة وطئتْها أقدامُ قوات القائد طارق بن زياد أثناء عمليَّة فتحه لشبه جزيرة أيبريا سنة 92هـ/ 711م بعد القيام بعملية التفاف حول العدو، والانقِضاض عليه قبل أن يشعر بهم، وقد هيَّأ طارق بن زياد بإحكام سيطرته على الجبل موطئ قدم للفاتحين القادمين من المغرب، ومكَّنته من ضمان الاتّصال مع خطوطه الخلفية في المغرب، كما أنَّه بثَّ الرعب في قلوب القوات القوطية، التي انْهزمتْ مذعورة، لتنقل أخبار هزيمتها إلى الملك لذريق. “جبل طارق في التاريخ الاسلامي”، الدكتورة شهاب نهلة أحمد، جريدة الأسبوع الأدبي، العدد 1025 تاريخ 30/ 9/ 2006.
[5] محمد بن عزوز حكيم: “سبتة، متى وكيف اغتصبتها إسبانيا؟!”، مطابع الشويخ، تطوان 1985، ص: 8.
[6] محمد داود، تاريخ تطوان، المجلد الأول، 1959، ص: 75.
[7] الشريف الإدريسي: “وصف إفريقيا الشمالية والصحراوية”، نشر بيريس، الجزائر 1907م، ص 107.
[8] محمد المعزوزي وجعفر بنعجيبة: “سبتة ومليلية، حتى لا ننسى”، شركة الهلال العربية للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1986، ص: 21.
[9] سبتة قبل الاحتلال البرتغالي، مجلة الريف، العدد الثالث، 5 يونيو 1982، الرباط، ص: 8.
[10] جرمان عياش: “بليونش ومصير سبتة”، مجلة البحث العلمي، العدد 2021، السنة 10، 1973، ص: 100.
[11] أحمد الناصري: “الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى”، ج 2، تحقيق: جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، ص: 114.
[12] الدكتور حسن الفكيكي: “سبتة المغربية صفحات من الجهاد الوطني”، سلسلة المعرفة للجميع، العدد14، أبريل 2000، بتصرف يسير، ص: 3.
[13] جوليان “Julian”: اختلفت الروايات حول شخصيته، فالبعض رأى أنه قوطي الأصل، والبعض الآخر يرى أنه رومي أو بيزنطي، وفريق ثالث مغربي، لكن المجمع عليه أنه كان حاكم مدينة سبتة وما حواليها.
[14] هذه الرواية يرجِّحها ابنُ عذاري: “البيان المغرب”، ص: 1743.
[15] انظر: عمر فروخ: “العرب والإسلام” ص: 76، عبدالرحمن حجي “تاريخ الأندلس”، ص: 43.
[16] تختلف المصادر في سبب تسمية الأندلس بهذا الاسم، فقيل: ملكته أمة بعد الطوفان يقال لها الأندلش بالشين المعجمة ثم عرِّب بالسين المهملة، وتاريخ الأندلس قديم للغاية؛ إذ توالت على حكمه شعوب شتى إلى حين الفتح الإسلامي، منهم: الإيبريون، والفينيقيون، والإغريق، والقرطاجيون، والرومان، والوندال، إلى أن أجلاهم القوطيون، من ثم توالت القيادة الإسلامية إلى أن سقطت آخر مملكة إسلامية بها، وهي غرناطة في سنة 1492م.
[17] كان من الأسباب التي دفعت بجوليان إلى الاستنجاد بطارق بن زياد – رحمه الله – سببان أساسيان: أولاً: انتشار بعض العادات القبيحة لأصحاب النفوذ والسلطة؛ أن يبعثوا أولادهم إلى بلاطات ملوكهم؛ لينشؤوا على آداب القصور وسلوك الملوك، وبعث جوليان ابنتَه إلى بلاط لذريق فاستحسنها هذا الأخير واعتدى على شرفها واغتصبها، وأخبرت أباها بذلك. كما أن جوليان كان من أنصار الأسرة الحاكمة السابقة التي انتزع لذريق الملكَ منها. انظر في هذا الصدد: Leviprovençal:Histoire musulmane,tome I, P:12، والمقري: “نفح الطيب”، ج1، ص: 277.
[18] اختلف المؤرخون حول شخصية طارق – رحمه الله، هناك من يرى أنه من أصل عربي، بينما فريق آخر يرى أنه أمازيغي الأصل من قبيلة نفزة.
[19] موسى بن نصير من التابعين المشهورين الذين أبلوا بلاء حسنًا في عملية الفتوحات الإسلامية في المغرب، ولاَّه الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك على ولاية المغرب.
[20] الوليد بن عبدالملك من كبار خلفاء بني أمية، اتَّسم عهده بالاستقرار وخمود حركة الخوارج.
[21] ابن عبدالحكم: “فتوح مصر وأخبارها” ص: 204.
[22] ابن الأثير: “الكامل في التاريخ”، ج 4، 122.
[23] هذا الاسم أطلق على المضيق بعد أن عَبَره طارق بن زياد إلى الأندلس، واسمه العربي قبل ذلك بحر الزقاق.
[24] للتوسّع يمكن الرجوع إلى: كتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” للعلامة ابن خلدون.
[25] العلامة سعيد أعراب: “لمحات من تاريخ سبتة في القرن الخامس عشر الهجري، الحادي عشر الميلادي”، مجلة دعوة الحق، العدد 241، أكتوبر 1984م، ص: 20، بتصرف يسير.
[26] يوسف بن تاشفين (453 – 500هـ) كان من الأمازيغ المسلمين، حكم دولة المرابطين في المغرب، كان عالمًا مجاهدًا حازمًا، توسَّع بدولة المرابطين حتَّى وصلت السودان، كما بنى مدينة أغمات جنوب شرق مراكش وجعلها عاصمة للدولة، وبعد استِقرار دولة المرابطين وبعد مُضِيّ عشرين عامًا – وصل إليه وفدٌ من الأندلس يطلب منه إنقاذَ الأندلس، فجهَّز ابن تاشفين جيشًا واتَّجه نحو الأندلس، فاستولَى على سبتة، وبدأ يراسل حكام الطوائف، فاجتمع مع قضاة كلٍّ من بطليوس وإشبيلية وغرناطة، واتفقوا على ضرورة دعوة المرابطين، وسمحوا لهم بالعبور، وانتقل المرابطون بقيادة يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، فتوجَّه نحو إشبيلية وتجمع مع جيش المعتمد بن عباد وجيش بطليوس، وسار الجيش نحو منطقة الزلاقة، فتمكن من الانتصار في هذه المعركة، وبالتالي أصبحت الأندلس جزءًا من المغرب الإسلامي.
[27] معركة وقعت بين الموحدين والممالك النصرانية في إسبانيا جنوب الشارات سيرامورينا. للمزيد عنها ينظر: محمد بن عبدالمنعم الحميري، “الروض المعطار في خبر الأقطار”، تحقيق إحسان عباس، بيروت، 1975، بيروت، 1968، ج1، ص: 446.
[28] أبو العباس أحمد بن محمد بن عذاري، “البيان المعرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب”، الناشر أميروسي هوسي مرانده، مع مساهمة محمد بن تاويت ومحمد إبراهيم الكتاني، تطوان، دار كريما د. س للطباعة، 1960، ج3، ص: 379.
[29] أحمد الرنداحي، ويذكر باسم جحفون الرنداحي، تولى مهمة قيادة الأسطول منذ عهد عمر المرتضى الموحدي، واستمرت هذه الخطة بيد أسرة الرنداحي إلى نحو سنة 720هـ/ 1320م. ينظر: محمد المنوني، “ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين”، الرباط، نشر كلية الآداب، جامعة محمد الخامس، 1985، ص: 79.
[30] ابن خلدون، المصدر السابق، ج7، ص: 187؛ الناصري، المصدر السابق، ج3، ص: 35.
[31] ابن خلدون، المصدر السابق، ج7، ص: 187؛ الناصري، المصدر السابق، ج3، ص: 35.
[32] انظر: محمد بن تاويت، “تاريخ سبتة”، ط1، الدار البيضاء، دار الثقافة، 1982، ص: 123.
32   انظر تفاصيل احتلال سبتة، في مبحث العلاقة بين إمارة العزفيين ودولة بني الأحمر في غرناطة، ص: 1011.
33   الناصري، المصدر السابق، ج3، ص: 82.
[35] حسن صابر: “حتى لا ننسى سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما”، جريدة التجديد المغربية، الخميس 3 يوليوز   2008  .
[36] حركة الاسترداد: هي تسمية أطلقها المؤرخون الإسبان على مجموعة العمليات العسكرية، التي نفذها الإسبان الكاثوليك المعارضون للوجود الإسلامي العربي في الأندلس منذ نهاية القرن الأول الهجري حتى نهاية القرن التاسع الهجري، وهي ترجمة للكلمة الإسبانية Reconquista. تُعَد حركة الاسترداد هذه عند الشعب الإسباني من أهم الأحداث الخالدة في تاريخهم القومي والديني.
[37] مليلية وسبتة والجزر الجعفرية وجزيرة ليلى:http://www.arabandalucia.com  ، موقع عرب الأندلس بتصرف.
[38] ندوة دولية في موضوع: سبتة ومليلية والجزر المحاذية: جذور الاحتلال، مظاهر الأسبنـة، وآفاق التحرير واستكمال الوحدة الترابية للمغرب، وذلك أيام 24، 25، 26 أبريل 2008 بمدرج الندوات بكلية الحقوق، وجدة.
[39] “سبتة ومليلة، اغتصاب مدينتين!”، بقلم: عماد عجوة،www.ikhwanonline.com/Article.asp
[40] مليلية وسبتة والجزر الجعفرية وجزيرة ليلى، نفس المرجع.

* باحث في العلوم الاجتماعية والتواصل.

المصدر: الألوكة

متعلقات:

سبتة ومليلية جغرافية مغربية وسيادة إسبانية

تدوينات اخرى:

شريف عبد العزيز: قصة المسلم الشرير مورو مالو !!

حامد الإدريسي:سبتة ومليلية… ويتجدد الألم

عبدالسلام الحسين الجعماطي: دراسة تاريخية إسبانية عن يهود سبتة تثبت مغربية المدينة ودوافع احتلالها

محمد جمعة جبالى: سبته ومليليه. واقع استعماري يقابله صمت دولي!

سعيد الغولي: سبتة، مليلية والجزر المقابلة: مغربية بقوة حقائق التاريخ، الجغرافية والجيوسياسية

إدريس جنداري :سبتة و مليلية .. مدينتان مغربيتان جغرافيا و إسبانيتان سياديا ؟!!!

(1) سبتة ومليلية، طال أو قصر الزمن

(2) سبتة ومليلية وجذور الصراع المغربي الأسباني

(3) سبتة ومليلية، خلل السياسة وصواب الجغرافيا

تدوينات مرتبطة:

 قريةِ أمُ الرَشرَاش المصريةِ

يوسف أبو الحجاج .. الجغرافي الذي أعاد طابا لمصر

المدخل الشرقي لمصر .. من أوراق عباس عمار

تحالف إسرائيل و مصر: تكيف جيو بوليتيكي أم انقلاب جيو استراتيجي؟

الخليج العربي بين الأطماع والحقائق التاريخية

الجزر السعودية المحتلة من قِبل إسرائيل

قرية بدرس و بلعين .. تعيد رسم خريطة إسرائيل

 رحلتي الي حلايب وشلاتين مع قوافل جمعية رسالة

رحلة البرتغال الأندلسية فوق تقاطعات الزمن

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s