مكان الجغرافيا التاريخية من مكتبة عثمان بن عباس

أين تقع الجغرافيا التاريخية بين العلوم الجغرافية الأخرى ؟ للإجابة علي هذا السؤال نجد أن معظم الباحثين يميلون إلى اعتبار الجغرافيا التاريخية جزءاً من الجغرافيا البشرية في مظهرها التطوري، ولكن ربما يكون ذلك قصور في الفهم، فكما أن هناك جغرافيا تاريخية بشرية هناك جغرافيا تاريخية طبيعية، وإذا اعتبرنا الجغرافيا علما واحدا له مظهران طبيعي وبشري، إلا أنهما شئ واحد ذو شقين ويشبهان وجهي العملة الواحدة، فإننا نجد أن الجغرافيا التاريخية علم واحد موضوعه جغرافيا العصور السابقة علي الرغم من تعرضها لدراسة الجوانب الطبيعية والبشرية، أي أنه لا يمكن إدراجها ضمن أيا منهما فهي فرع مستقل.
ولكن لتسهيل البحث المنهجي عمد الجغرافيون إلى تقسيم علمهم إلى قسمين رئيسيين هما الجغرافيا البشرية والجغرافيا الطبيعية، أما شخصية المكان الواحد فهو موضوع الجغرافية الإقليمية، وكما أن هناك جغرافيا طبيعية حالية، فهناك أيضا جغرافيا طبيعية سابقة في عصور سابقة، وكذلك هناك جغرافيا بشرية حالية، وجغرافيا بشرية سابقة. أما شخصية المكان الواحد في العصور السابقة أو في أي عصر واحد منها فهو موضوع الجغرافيا التاريخية لهذا المكان في هذه العصور أو العصر الواحد. ومن ثم فليس هناك جغرافيا تاريخية واحدة، بل عدة فروع للجغرافية التاريخية ومن ثم تم تقسيمها تقسيماً منهجياً أصولياً، و أيضاً تقسيماً إقليمياً.

وفى كل من الحالتين لابد من الأخذ في الاعتبار ما يلي:
1- تحديد الإقليم أو المكان موضع البحث.
2- تحديد الفترة الزمنية أو الزمن الذى يُدرس فيه هذا المكان.
وتتم الدراسة من خلال المناهج التالية:
المنهج الموضوعي:
ويتناول المنهج الموضوعي تطور ظاهرة معينة قد تكون طبيعية أو بشرية خلال فترة زمنية معينة أو فترات زمنية متتابعة. فعلي سبيل المثال قد تدرس ظاهرة طبيعية كالإرساب النهري، أو طريقة تكون الجزر النهرية، أو تغير أماكن رأس الدلتا، أو تآكل الشواطئ، أو المدرجات النهرية خلال فترة معينة أو تتابع عدد فترات زمنية معينة، أو تدرس سجلاً لفيضانات نهر النيل، أو ذبذبة الأمطار خلال فترة ما، أو تدرس تعرية التربة وعلاقتها بإزالة النباتات، أو التشجير إلى أخره، في مكان ما خلال فترة زمنية ما، أو دراسة تطورية خلال عدة فترات زمنية متتالية، هذه هي النماذج الطبيعية التي تهتم الجغرافيا التاريخية بدراستها.
وقد تدرس نشأة مدينة وتطورها خلال فترة زمنية، أو فترات زمنية مختلفة للجغرافيا الزراعية لإقليم معين خلال فترة ما، أو نشأة وحدة سياسية وتطورها، أو تطور تعمير إقليم ما بالعناصر البشرية، أو تطور السكان في إقليم ما، وهكذا وهذه نماذج للجغرافيا البشرية التاريخية.
المنهج الإقليمي :
يتجه الاهتمام في هذا المنهج إلى دراسة فروع الجغرافيا طبيعية كانت أو بشرية لإقليم ما خلال فترة زمنية معينة أو فترات زمنية متتالية. وقد يتجه الباحث إلى رسم عدة صور متلاحقة للإقليم في فترات تاريخية متعاقبة، أو تناول بعض مظاهر جغرافية معينة في هذا الإقليم خلال الفترات التاريخية المحددة للبحث، مثل تطور المناخ أو الغطاء النباتي أو تطور العمران، أو تطور التعمير باستخدام العناصر البشرية، أو تطور النشاط الاقتصادي أو التطور الديموغرافى، أو تطور الأقسام الإدارية إلى آخره.
ويجدر بنا أن نوجه الاهتمام إلى كتابات الجغرافي الأمريكي الزورث هنتجتون في التغيرات المناخية وأثرها على الحضارات الإنسانية، وكذلك الجغرافي الأمريكي ساور الذي تخصص في دراسة الإنسان، سواء كانت هذه التغيرات خلال عصور ما قبل التاريخ ثم خلال العصور التاريخية حتى نصل إلى الوقت الحاضر، لكي نفهم المسرح الجغرافي الحالي. والجغرافي الإنجليزي جون هربرت فلير، الذي أخرج مع زميله بيك سلسلة دهاليز الزمن ، وتتبع فيها الحضارات الإنسانية منذ عصر البلايوستوسين حتى العصور التاريخية، وقد لخص هذه الدراسة التي صدرت في عشرة أجزاء من عام 1927 – 1957 في كتاب واحد أخرجه عام 1957، وترجمه إلى العربية أحد مؤلفي هذا الكتاب، وتظهر الحاسة التاريخية الحضرية التي ارتفع شأنها في فرنسا على يد بلانشارد وديمانجون وجالوا وشابو وبيير جورج ، وهم جميعاً من تلاميذ المدرسة التي وضع أساسها فيدال دي لابلاش.
وتمتاز الدراسة الجغرافية المصرية بميل واضح نحو الجغرافيا التاريخية، والتي وضع أساسها الأستاذ مصطفى عامر مؤسس قسم الجغرافيا بالجامعة المصرية بالاشتراك مع العالم الفرنسي منجن. وكان ذلك بأن أشرف على حفائر المعادى ووجه طلابه إلي دراسة جغرافية عصر ما قبل التاريخ بصفة خاصة، وتعتبر كتابات الأستاذ الدكتور سليمان حزين مرجعاً أساسياً لدراسة جغرافية عصر ما قبل التاريخ بعامة ومكانة مصر في هذا العصر بخاصة، وقد أسهم و بالاشتراك مع أعضاء عدة بعثات علمية في دراسة فزيوغرافية منخفض الفيوم ومدرجات نهر النيل، كما أشرف على توجيه عدد من طلابه نحو دراسة الجغرافيا التاريخية. كما تظهر النزعة التاريخية واضحة في كتابات الأستاذ الدكتور محمد عوض محمد، ولاسيما في أبحاثه الخاصة باستغراب وادي النيل وسكان السودان الشمالي وسلالات إفريقية وشعوبها.
وقد شغل أستاذ الجغرافيا التاريخية في جامعة القاهرة الأستاذ الدكتور إبراهيم رزقانة، الذي تزود بدراسة الآثار المصرية لخوض هذا المجال، كما أشرف علي عمليات الحفائر بمنطقة المعادي في مركز الحفائر التابع لجامعة القاهرة.
وقد اتجه الأستاذ الدكتور محمد السيد غلاب نحو دراسة الجغرافيا التاريخية لفلسطين ثم الساحل الفينيقي متبعاً طريقة الصور المتتابعة لبعض الظاهرات الجغرافية، كما اتجه الدكتور يسرى الجوهري نحو تطبيق المنهج الموضوعي في الجغرافيا التاريخية على المدن المصرية واتجه الأستاذ الدكتور عبد الفتاح وهيبة نحو الجغرافيا التاريخية لمصر في العصور العربية وقد سار في نفس الاتجاه الدكتور عبد العال الشامي أستاذ الجغرافية التاريخية بآداب القاهرة.

المصدر: خطوات

تدوينات اخرى:

تعريف الجغرافية التاريخية

العلاقة بين الجغرافيا والتاريخ

تدوينات مرتبطة:

رحلة أحمد بن فضلان .. من محاضرات عبد العال الشامى

معارك جغرافية .. من محاضرات يوسف فايد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s