مصر بين دكتاتورية النهر وديمقراطية الصحراء للدكتور صبرى حمد

1

كتب: د‮. ‬صبري حمد*

عاشت مصر منذ العصر الحجري الحديث الاعلي أسيرة لنهر النيل بعد الانتقال التدريجي لسكانها الي جنبات الوادي والدلتا علي اثر عصر الجفاف الاخير الذي ضرب تدريجيا الحزام‮ ‬الصحراوي المحيط بالنهر كجزء من الجفاف الذي حل بالصحراء الكبري الافريقية وصحراء شبه الجزيرة العربية التي كانت عامرة بالسكان والعمران وقت ان كانت مروجا خضراء‮.‬
ومنذ ان تقوقع سكان مصر حول وادي النيل والدلتا تاركين الصحراء الفسيحة من خلفهم وهم يعيشون في كنف ديكتاتورية النهر قابعين في شرنقة الوادي والدلتا،‮ ‬راضين بمركزية وحكم مطلق نابع من مركزية وديكتاتورية النهر،‮ ‬وقد نقول انهم كانوا راضين بذلك وبلغوا حضارة لم يبلغها‮ ‬غيرهم بتأثير الاستقرار وتوافر المياه التي كانت قد شحت ونضبت في الصحراء حتي ان هيروديت قال قولته المشهورة‮ »‬مصر هبة النيل‮« ‬فاذا شبهنا وادي النيل بالاغلبية،‮ ‬فان الصحراء كانت تمثل دوما المعارضة،‮ ‬فأكثر من ‮٠٨ ‬مليون نسمة محتشدون في الوادي والدلتا،‮ ‬واقل من ‮٢ ‬مليون متناثرين في صحاريها الثلاث‮  ‬الغربية والشرقية وسيناء،‮ ‬وبلغة جغرافية توزيع سكاني صارخ‮  ‬قلما نجد له مثيلا في العالم،‮ ‬بين واد مكبس بكثافة تصل الي عدة‮  ‬آلاف في الكيلومتر‮  ‬المربع الواحد،‮ ‬وحوالي نسمة واحدة في نفس المساحة بالصحاري،‮ ‬معادلة تعكس ديكتاتورية النهر،‮ ‬وامامها ديمقراطية الصحراء‮.‬
وسوف اركز في هذه السطور علي ممر التنمية والتوزيع الجغرافي للسكان اما فيما يتعلق بممر التنمية فلو تأملنا الخريطة المصرية لقلنا انه‮  ‬يكاد يكون مساره موجودا بالفعل ولكن الي الغرب من المقترح المقدم من د‮. ‬الباز ممثلا في طريق صحراوي يربط‮ ‬غرب الاسكندرية بمدينة ‮٦ ‬أكتوبر ومنها الي الواحات البحرية ثم الفرافرة فالداخلة فالخارجة ثم الي توشكي وشرق العوينات،‮ ‬وحالة الطريق متوسطة فهل نقول ان تدعيم هذا الطريق من خلال ازدواجه واختيار عدد من المواقع لاقامة مشروعات تنموية سياحية وصناعية وعمرانية تمثل مراكز تنموية بؤرية‮  ‬تتمدد وتتوسع شرقا للتواصل مع الوادي من خلال طرق ودروب تصل بين وادي النيل من جهة وواحات الصحراء‮  ‬الغربية من جهة اخري خاصة وان‮  ‬مسارات هذه الدروب هي عبارة عن مواضع لآبار وعيون قديمة كانت بمثابة محطات لاستراحة القوافل التجارية القديمة ومنها درب من الفيوم الي الواحات البحرية ومن بني سويف الي الواحات البحرية ودرب الدير ليصل اسيوط بواجة الفرافرة ودرب الطويل بين اسيوط والداخلة ودرب الاربعين بين اسيوط والخارجة ودرب الرفوف بين طما وطوهاج والخارجة ودرب جرجا والخارجة ودرب فرشوط الي باريس ودرب الاقصر الي الخارجة ودرب دوش ليربط بين اسنا وادفو وواحة‮  ‬باريس‮.‬
فضلا عن امتداد درب الاربعين الذي يصل الي دارفور‮  ‬مرورا بتوشكي وشرق العوينات كما تحظي هذه المسارات في بعض مواضعها بتربة جيدة،‮ ‬كما ان احتمالات المياه الجوفية بها كبيرة‮ – ‬حفرت عدة آبار في درب البهنسا البحرية،‮ ‬وطريق البحرية الجيزة كانت بها مياه متدفقة تؤكد ذلك،‮ ‬بالاضافة الي‮  ‬موارد معدنية متعددة تصلح لمشروعات صناعية وعمرانية،‮ ‬وهذه‮  ‬الدروب هي نفس الفكرة التي اقترحها د‮. ‬الباز من خلال طرق عرضية،‮ ‬ويمكن ان نبدأ في اقصي الجنوب بتعمير منطقة‮ ‬غرب وشمال‮  ‬بحيرة ناصر وطريق درب الاربعين ورصف هذه الدروب لتصل بين محافظات اسوان والاقصر وقنا وسوهاج واسيوط كما يمكن ان نبدأ في الشمال ايضا ورصف الدروب الواصلة مع كل من الفيوم وبني سويف والمنيا واسيوط وما يقابلها في الصحراء،‮ ‬وفي هذه الحالة سنعتمد علي موارد مائية‮  ‬ذاتية في مواضع الدروب القديمة،‮ ‬ولن نكون بحاجة الي مياه النيل في هذه المرحلة،‮ ‬ويمكن ان تتطور الفكرة بتوصيل انبوب المياه الذي دعا اليه دكتور الباز لو ان المياه الجوفية لم تكن كافية من خلال دفع للمياه بشكل عرضي مع طرق القوافل القديمة حيث لن تقطع مسافات كبيرة بعكس الانبوب الطولي من الجنوب الي الشمال والذي ستزيد مساحته علي الألف كيلومتر.وفيما يخص قضية التوزيع الجغرافي للسكان،‮ ‬فقد كانت رؤية جغرافية ومازالت‮ – ‬وليس لنا خيار‮ ‬غيرها‮ – ‬بحتمية الخروج من شرنقة وديكتاتورية الوادي الي آفاق وديمقراطية الصحراء،‮ ‬وسنذكر عشرة محاور تنموية في صحاري مصر تتباين اهميتها وأولوياتها‮  ‬حسب ما توفره من فرص عمل بالاعتماد علي موارد اقتصادية متاحة ومعلومة‮.‬
الأولوية الاولي‮: ‬الساحل الشمالي في سيناء والصحراء الغربية من‮ ‬غرب‮  ‬الاسكندرية وحتي مرسي مطروح والثانية شمال ووسط الصحراء الشرقية وغرب سيناء المطل علي خليج السويس والثالثة جنوب سيناء وجنوب الصحراء الشرقية والرابعة وسط سيناء والساحل الشمالي في الصحراء الغربية‮ ‬غرب مطروح وحتي السلوم والخامسة‮  ‬توشكي وشرق العوينات،‮ ‬الا ان اهتمام الحكومة بهذه المنطقة يدفعنا لان ننقلها ضمن المجموعة ذات الاولوية الاولي‮.‬

* رئيس قسم الجغرافيا بجامعة الأزهر

المصدر: اخبار اليوم

تدوينات اخرى:

سيناء‮ ‬غير المعمورة بقلم الدكتور صبرى حمد

قبل أن تجف مياه الواحات البحرية ويرحل سكانها بقلم الدكتور صبرى حمد

تعمير الصحراء وتنمية سيناء بداية خريطة جديدة لمصر بقلم الدكتور صبرى حمد

جامعى يطالب بعودة أقدم ديناصورات العالم لمصر

 تغطية: مشاركة الدكتور صبري حمد فى برنامج اتجاهات

 تغطية: مشاركة الدكتور صبرى حمد فى ندوة قسم الجغرافيا جامعة الاسكندرية 

تدوينات مرتبطة:

الزيادة السكانية واحتمالات المستقبل بقلم الدكتور فتحي أبو عيانة

حول متغيرات المناخ و مصير الدلتا بقلم الدكتور محمد رياض

مصر.. ملامح دولة صنعت التاريخ بقلم الدكتور عاطف معتمد

اختفاء نهر النيل عن مجراه الطبيعي بقلم الدكتور حمدى هاشم

متى نحسن توظيف الجغرافيا باعتبارها علماً تطبيقيّاً ؟ بقلم الدكتور عبدالرحمن الواصل

نظم المعلومات الجغرافية .. لعشاق ارتياد الأفاق فقط بقلم الباحث محمد المري

ثورة الجغرافيا بقلم الباحث مجدى موسى

دفاعًا عن السلطان عبد الحميد الثاني بقلم الباحث كريم عبد المجيد

تدوينات ذات صلة:

تغطية: كتاب «ممر التنمية و التعمير» للدكتور فاروق الباز

المزيد:

التقرير النهائى وبعض المقترحات لندوه الجمعية الجغرافية المصرية عن ممر التنمية

3 thoughts on “مصر بين دكتاتورية النهر وديمقراطية الصحراء للدكتور صبرى حمد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s