“الطريق إلى الحسينية وصولا لصناعة الكراهية” للدكتور عاطف معتمد

a magdy blog

كتاب “الشيعة في المشرق الإسلامي..تثوير المذهب وتفكيك الخريطة” للدكتور عاطف معتمد الصادر عام 2008 فيما يقارب المائتى صفحة يستعرض فى كتابه الفرق الشيعية فى المشرق الإسلامي بمنهج الجغرافيا السياسية ومستخدم أسلوبين ، الأول وهو الزيارات والدراسة الميدانية للعديد من دول المشرق ويتضح ذلك من خلالة مقاله الاول “الطريق إلى الحسينية” ، بينما الاسلوب الاخر هو الاعتماد على المصادر التاريخية الشيعية وما كتبه السنة والغربيون والروس عن الشيعة ويتضح ذلك فى مقاله الثانى “الجغرافيا وصناعة الكراهية ..نموذج السنة والشيعة” وصولا للرؤية الاستشراقية للمسألة الشيعية ورسم خريطة التوزيع الشيعى مقسمة الى خمس أقاليم ومصنفة حسب درجة الاستقرار والنزوح .. أحمد مجدي

المقال الاول: الطريق إلى الحسينية

هذه هي ليلة العاشر من محرم، الطريق إلى حسينية المنصورة في الأحساء يزداد تعرجا وظلمة، البكائيات التي تنبعث من مسجل السيارة التي أركبها تحمل مختارات من طقوس النياحة في ليلة العاشر لمنشدين لبنانيين وكويتيين. كان قائد السيارة، صديقي الشيعي، يزداد تأثرا وتمايلا كلما جاء دور المنشد العراقي، فيرفع من الصوت تارة لينشد معه، ثم يوقف المسجل تارة أخرى ليترجم لي ما لم أفهم من تلك اللهجة المليئة بالشجن، والمشحونة بعنفوان الصوت وحرارته.

تكاد السنوات الثلاث التي أمضيها في المنطقة الشرقية من السعودية تلفظ أنفاسها دون أن أتعلم سوى القليل. هذا المجتمع يكاد يغلق أبوابه أمام الغرباء، ويحول دون فهم مسالكه أو اكتشاف طقوسه. ليس على المرء هنا إلا ان يقف مكتوف الأيدي في طقس حار رطب تحاصره نوبات الغبار والأتربة فيطلق بصره متحسرا في الأفق، أو يحبس نفسه في غرفة مكيفة ليعيش مع عوالم متخيلة، بعضها مستلة من خزانة الذكريات، وبعضها يستمد من مشاهد تلفازية جامدة تصيب المرء بالعطب وتعجل بشيخوخته.

لو أنني عشت هذه السنين في موسكو لكان بائع الشاي على ناصية الشارع حدثني كل يوم عن الجديد، من خبايا علاقة الرئيس بحاشية قصره إلى عصابات المافيا وتجار البشر، ولو أنني أمضيت  هذه السنوات في مومباي لكان سائقو الريكشا أخبروني كل صباح بحكاية جديدة من حكايات المعابد والأديرة، وأمطروني بوابل طازج من فصول الكفاح والمعاناة. لو كنت في جازان أو صنعاء لسامرني صديقي ، وفمه مملوء بالقات، عن تفاصيل تلك الثنائية المشوقة بين السلاح والسلطة، والقبيلة والوطن.

يطمئنني صديقي الشيعي بأن هذا هو آخر منعطف سنقابله قبل الوصول إلى الحسينية، وأن الدرب الضيق المخترق لمزارع النخيل والممتد في مرمى البصر هو آخر ما سنقطع في تلك الرحلة التي يسكنني فيها التوتر ويزاحمني القلق.

ماذا لو عرف مدير الجامعة السلفية التي أعمل فيها؟ هل يجوز لأستاذ سني – أمنته الجامعة على فكر الطلاب وعقولهم! – أن يندس بين أقوام يمارسون “البدع” و”المحرمات” ويحل عليهم ضيفا في يوم “النياحة” المحرم شرعا؟ يالتلك الرغبة المُهلكة.

عند باب الحسينية يفاجئني صديقي مرتعدا بالاعتذار لأن بعضا من الرجال سيبادرون إلى تفتيشي، مبديا دهشته لأنها المرة الأولى التي تحدث في تاريخ بلدتهم، فقد جاءتهم ليلة أمس تعليمات أمنية – في ظل توالي التفجيرات في حسينيات العراق وباكستان- بأن يأخذوا حذرهم من أعمال انتقامية متوقعة في تلك الأيام العصيبة التي تتوارد فيها أخبار التطهير الطائفي الذي تمارسه بعض الجماعات الشيعية ضد السنة في بغداد. أي تشويق وإثارة أكثر من هذا؟ أي شفاء لغليل المعرفة أكثر من أن يرتعد المرء في كل خطوة يخطوها متوقعا أن يفقد ساقيه فوق قنبلة موقوتة، أو يفقد عمره في هجوم انتقامي مباغت يحول المجتمعين على نياحة الماضي إلى جثث طازجة؟

ساعدني الجلباب الخليجي وملامحي السمراء المشربة بالجدية أن أندس متماهيا بين ألف رجل اجتمعوا في الحسينية، لم تكن تفضحني سوى نظراتي التي تنهب المكان تلتقط صورا لكل الطقوس. وحدها صورة السيستاني، التي خلتها صورة الخميني ،  بقيت تطاردني من جدار إلى جدار.

على مدى ساعتين ونصف استمر المنشد على المنبر الحسيني يلهب مشاعر الحضور مستحضرا تلك المشاهد الدموية لمعركة كربلاء. كانت الطريقة المحترفة التي ينتزع بها المنشد الدموع من المقل والآهات من القلوب كفيلة بأن تجدد الحزن، وتعبئ الشيعة ضد أعدائهم على مر العصور. وكانت هذه الطريقة هي المسؤولة أيضا عن ذلك الهدير الجامح الذي يجمع  بين صراخ وعويل ولطم وضرب على الرؤوس. ومع كلمات المنشد واصفا كيف أثخن “أعداء الله” بجثث “أهل البيت” ومع استحضار أطياف المشاهد التي مر عليها نحو 1400 سنة  لم يكن أمام الألسن سوى أن تلهج بلعن جماعي : “اللهم العن أمة خذلتك، اللهم العن أمة قتلتك، اللهم العن أمة سمعت بذلك ورضيت به”.

غادرت الحسينية وأنا أتساءل: لو كنت شيعيا وعشت مع هذا الطقس بكل جوارحي، كما عاشه المئات من حولي، كيف سأصحو في اليوم التالي؟ وكيف سأنظر الى تلك “الأمة” الملعونة من حولي؟

أعود من الحسينية فانتقل من مدينة لأخرى لأجد الأجواء السياسية والاجتماعية في الخليج ملبدة بالتوتر، القنوات الفضائية الشيعية تعرض ليل نهار لمظاهر احتفالات عاشوراء حيث يضرب الشيعة صدورهم وظهورهم بالسلاسل، ويشقون رؤوسهم بالسيوف. لقد بات المناخ العالم يحمل عناوين “صعود الشيعة” و”الشيعة قادمون” و “عودة الحلم الصفوي” .

كان لابد للسلفيين من تحصين الداخل السني. ولأنه ليس للتعبئة الطائفية من سبيل إلى الإعلام المرئي أو المقروء في عالم ما بعد 11 سبتمبر، فقد تم الإعتماد على وسيلة “خمينية” تستخدم شرائط الكاسيت في “فضح” الشيعة.

انتشرت الشرائط في المجتمعات السنية في الخليج كالنار في الهشيم. المادة التي تحويها الشرائط اعدت بعناية وحرفية بحيث لا تترك للمستمع مجالا للتشكك في مصدرها، الأصوات والخطب لرجال دين شيعة إيرانين وعراقيين يخوضون في السيدة عائشة وفي شرف ورجولة الخليفة عمر بن الخطاب! على الانترنت كانت هناك نسخة “رقمية” من الشحن الطائفي تحوي مقاطع فيديو لشيوخ شيعة من الخليج يخوضون فيما خاض فيه  أبطال الكاسيت.

بعد أن استمعت إلى الشرائط وطالعت مقاطع الفيديو ورجعت إلى منتديات شيعية على الإنترنت يطالب روادها بالثورة لانتزاع البقاع المقدسة في مكة والمدينة من سلطة “الطغاة” وإرجاعها لورثة “أهل البيت” (في إيران او شيعة العراق) عدت لأسأل نفسي : هل بوسع السني بعد هذا سوى الكراهية؟

إذا جلست إلى صديق سلفي حذرك أن تأمن لشيعي، فالشيعي إن حدث كذب، وإن أقسم لك دلس عليك وخدعك. ويجاهد السلفي أن يُعلّمك  ـ وعليك أن تصغي لأنك مصري الثقافة لم تخالط الشيعة وتحمل إسلاما صوفيا مائعا! ـ  بأن هؤلاء القوم سبون الصحابة، ويلعنون أمهات المؤمنين، ويكيدون للإسلام والمسلمين على نحو ما يكيد اليهود والصليبيون.

وإذا أنست إلى صديق شيعي أكد لك أن “جماعته” ورثة أهل البيت وحذرك من أن تستمع إلى ذلك التشويه الذي يمارسه “إخوانه” السنة بحق مذهبه، وقدم لك سرديات ، مختلفة في التفاصيل متفقة في النتائج، تحمل قصص ذويه وأقاربه الذين صادفوا أشكالا مختلفة من التمييز من قبل “السنة”. وحين يأمن لك هذا الصديق يقدم لك نسخة مهربة من كتاب شيعي صدر في المنامة أو بيروت أو لاهور، ويأخذ عليك ميثاقا غليظا ألا تخبر أحدا به، لقد أتى به مخبئا في ثيابه حين عاد من سفره الأخير. فهذه الكتب، التي يحمل بعضها أفكارا “خمينية” تدعو للثورة ويحمل بعضها عقائد ومفاهيم شيعية ينعتها السلفيون بالبطلان والمروق، يعاقب عليها القانون كما يعاقب مهري المخدرات.

أحزم أمري قاطعا بأن أكتب بحثا عساه يكون نواة لكتاب عن التجربة والقراءة. وأجدني اكتشف أن هناك طريقتين لكي تدون بحثا عن الشيعة، الأولى أن تتورط بين مئات الكتب فستنطقها بما حملت وما لم تحمل، وتجاهد كي تجد توازنا بين ما سطره السنة عن الشيعة، وما كتبه الشيعة عن أنفسهم وعن غيرهم. وعلى رغم أن هذه المهمة قد تبدو سهلة في عصر المعرفة الذي اختزل كثيرا من مراحل وجهود البحث عن المصادر، فلم تعد تنهب ذلك الوقت الطويل، إلا أن لهذه الطريقة مخاطر شتى.

إذ ليس من رأى كمن سمع، وليس من لمس وعاش كمن قرأ وترجم وعادل النصوص. ولأن القضية فيها من الديني والسياسي الكثير فإن الحكمة القديمة القائلة “من كان شيخه الكتاب فاق غالطه الصواب” تتجلى في هذه الحالة بلا منازع.

وحتى إذا نجوت من أن تخطفك كتب الشيعة القديمة إلى مواقف متحفظة وناقدة ، وربما كارهة، على نحو ما تفعل معك بعض صفحات العمل الموسوعي الشهير “بحار الأنوار”، أو أن يأسرك خطاب التفاهم والمصالحة والتسامح الذي يعيد انتاجه اليوم علماء وشيوخ شيعة محدثون كالشيخ محمد حسين فضل الله في لبنان والشيخ حسن الصفار في السعودية، فإنك في نهاية الرحلة واقع في جمود القراءة الصامتة جسدا بلا روح. وحسبك أن تحسن هنا مشاهدة لوحة جيدة الرسم لنهر يقطع طريقه بين الصخور، لا أن تنزل ذلك النهر فتشرب من مائه أو تدمي أقدامك صخوره.

أما الطريقة الثانية فتكمن في أن تنزل النهر، فتعيش في المجتمع الشيعي وتلمس واقعه، وتربط بين مشاهد متفرقة لتصنع رؤية شبه جامعة. وبدلا من أن تقرأ عن الحسينية ودورها في بناء وبلورة هوية الشيعي، شق لنفسك مكانا بين زحام الحسينية، وتتطلع الى المنبر الحسيني واستمع إلى الخطب والمحاضرات، واستشعر البكائيات والنياحة والشجن. هون عليك، فستجد في نهاية اليوم مكانا على مائدة عامرة، تمد دوما في كل مناسبات الشيعة، أتراحهم وأفراحهم.

ستمنحك هذه الطريقة فرصة نادرة لأن تصلي في مساجد الشيعة لا أن تشاهد صورا لها، كل ما عليك في الركوع والسجود أن تهرب من رغبتك الجامحة في المعرفة وشوقك المتحرق في الاستكشاف. جاهد كي تخشع في صلاتك، وكيف تخشع في صلاتك والمصلون من حولك قلقون لأنك لا تسجد على تربة كربلائية مثلهم؟ وكيف تخشع وغالب إخوانك السنة سيعتبرون صلاتك في هذه المساجد “الضرار” باطلة!؟

ورغم ما في نزول النهر من فوائد لا تحصى، ومتعة لا تقدر، إلا انها محاطة بمحاذير عدة. فعليك في البداية التخلص من تلك العباءة الاستشراقية التي قد تتلبسك، فتنظر إلى الشيعة نظرة الرحالة الأوربي العجوز الذي تشغله رائحة البخور أكثر ما تشغله الفكرة والعبرة. أو أن تتقمص شخصية الضابط الأمريكي المتخفي في ثياب مدنية والمنشغل بتدوين الاسرار والخبايا ليقدمها إلى “صانع القرار” المتصيد لمواطن الفرقة ومواضع الشقاق بين السنة والشيعة.

وعليك أيضا ألا تضيع وقتا في إقناع من تقابل من الشيعة بدليل برائتك من تهمة التصيد وجمع الأسرار، ولا تنشغل بإقناع أولئك الشيعة أصحاب الابتسامات “الذكية” من انك لم تات إلى عقر دارهم بحثا عن “الحقيقة الضائعة” ورغبة في التشيع.

وحتى إذا نجوت من كل محاذير نزول النهر، فكن مستعدا لأن تلقى الاستخفاف بما أتيت،  فكل ما ستأتي به من هناك لن يعتد به، لأن جل ما شاهدت أعده الشيعة ورتبوه لك، وساقوه لك على “التقية” و”التجمل” و “الانتقائية”، وكل ما رأيت وسمعت لس إلا “حديث آحاد” ينطبق على شواذ القول لا على عمومه ورؤيته الشاملة.

ولأنني لا أعرف مخرجا ثالثا من هذه المحاذير، فقد زاوجت بين الطريقتين السابقتين، فاستعننت بما كتبه الشيعة والسنة والغربيون والروس، وعشت بين الشيعة الإثنى عشرية في الخليج، وقابلت عددا من البوهرة خلال رحلة ثرية إلى الهند، وخالطت شيعة العراق في المهجر في روسيا. غير أن كل ذلك لم يساعدني سوى في تكوين “فكرة عامة” ورسم “خريطة” أولية.

وقد شغلت نفسي في هذا الكتاب بـ”خريطة الشيعة في المشرق الإسلامي” أكثر ما شغلتها بالفَرق بين الفِرق أو الفصل بين الملل والنحل. ولأني أبحث في الجغرافيا السياسية فقد اعتنيت بالثورة والثروة والتعبئة الطائفية وعلاقة الأقلية بالأكثرية، تاركا تفاصيل العقائد والاختلاف بين المذاهب وغيرها من القضايا الفقهية لمن هو أقدر وأطول باعا.

يتألف هذا الكتاب من خمسة فصول ، يعتني الأول منها بتملس ما يمكن تسميته “القابلية للفتنة” أو “الاستعداد لإشعال الحريق” وهو فصل يقدم صورة إجمالية عن الأسباب التي وقفت خلف صعود الشيعة السياسي في ربع القرن الأخير.

يعالج الفصل الثاني صورة الشيعة في المشرق الإسلامي، تلك الصورة التي تشكلت في وعي الكثيرين من خلال ما كتبه المستشرقون عن الإسلام بصفة عامة وعن الشيعة على وجه الخصوص، فضلا عن رسم ملامح الصورة التي يقدمها التيار السلفي عن الشيعة في المشرق الإسلامي بما له من قوة نفوذ وسعة انتشار.

أما الفصل الثالث فيقترب من شيعة الخليج واليمن معتنيا بالتطورات التي حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة . ويلقي الفصل الرابع الضوء على أكثر مناطق الشيعة سخونة في لبنان وفلسطين وسوريا. بينما يطوف الفصل الخامس على بعض معالم الشيعة في الهند وباكستان مع إعطاء إشارات حول ما يمكن تسميته بالإسلام الشعبي في هذه المنطقة بالغة التنوع.

ولأن مراكز الأبحاث العربية والغربية قد أسهبت في تحليل التجربة العراقية والتورط الإيراني في بلاد الرافدين منذ سقوط بغداد في التاسع من أبريل عام 2003، وقدم في سبيل ذلك سيل منهمر من المقالات والدراسات والكتب، فقد خففت عن القارئ عرض هذه التجربة، وانتخبت منها فقط ما كان له دلالة وأثر على الجماعات الشيعة في المناطق محل البحث والدراسة في هذا الكتاب.

وأود لو قدمت صفحات طويلة من الشكر لكل من ساعدني وقدم لى الدعم النفسي وشد من أزرى خلال فترة إعداد هذا الكتاب.وأوجه الشكر لعدد كبير من الأصدقاء السلفيين والشيعة ( الأخوة الأعداء) الذين أخرجوا لي من خزانة كتبهم الممنوع منها والمسموح، وفتحوا لي قلوبهم وبيوتهم فأقمت إقامة صاحب البيت. وأشكر من استضافني من الباحثين والعلماء والشيوخ الشيعة والسلفيين، وعلمني كثيرا مما كنت أجهل.

 المقال الثانى: “الجغرافيا وصناعة الكراهية ..نموذج السنة والشيعة” 

رؤى استشراقية

بعيون صليبية

الفرس والعرب

قراءة يسارية وتحليل ماركسي

أقل الشياطين خطرا

رؤى سلفية

باطنية ورافضية

من السعودية إلى باكستان

التقريب بين الغاية والوسيلة

كيف تتم صناعة الكراهية؟ هناك سجل طويل من الأطر النظرية التي تشحن خلفها جماهير حاشدة لكراهية طائفة أو فرقة أو مذهب بعينه. في البحث التالي نتناول كيف ساهمت الرؤى الاستشراقية والسلفية في تكوين الصورة النمطية عن الشيعة في العالم العربي والمشرق الإسلامي.

ساهمت مجموعة من العوامل في تدعيم الصور الملتبسة بشأن الشيعة في المشرق الإسلامي. ولعل أهم مصادر هذا الالتباس ما روجه المستشرقون عبر التاريخ برؤى عقدية مسيحية أو ماركسية حين نالت الكتابات الغربية من الإسلام كدين، فرأته ممسوخا عن ديانات سابقة واعتبرت هذه الكتابات – التي امتزج فيها الاستعماري بالأكاديمي-  التشيع والتفرق في الإسلام دليلا على فساده وضعفه. وعلى الزاوية الأخرى يقف السلفيون بالمرصاد يكيلون للفكر الشيعي اللاذع من النقد، ويخرجون أغلب فرق الشيعة من جادة الإسلام ويضعون في عنقها مسؤولية التمزق والفت في عضد الوحدة الإسلامية.

رؤى استشراقية

بنيت أغلب الرؤى الاستشراقية حول الفرق الإسلامية على كثير من التعميم، وصيغت من تصورات فلسفية واستنتاجات فردية أكثر ما كانت ترجمة لخبرة حقيقية لمعايشة التشيع. فالوقوف على معلومات دقيقة حول الفكر الشيعي لم يكن ليتحقق سوى بالرجوع إلى النصوص الشيعية، وهو ما لم يتوفر لأغلب المستشرقين. ولم يبدأ الحصول على نسخ من الكتب الشيعية وترجمتها إلى اللغات الأوربية إلا في النصف الثاني من القرن 19.

وترى الدراسات الغربية في الموروث الشيعي حزمة تختلط فيها التفاسير القرآنية والتأويلات، والأساطير والمفاهيم الفلسفية والواجبات الدينية. وتحتل فكرة الإمامة مكانة هامة لدى هذه الدراسات، يبدو فيها الإمام “رجلا سماويا نورانيا” تتبلور حوله فكرة الولاية الباطنة لنبوة ظاهرة. وتصنع ثنائية موازية بين النبوة والولاية، وبين الظاهر والباطن، والتنزيل والتأويل. وتبحث مثل هذه الدراسات عن الأبعاد المانوية ( الصراع الكوني بين النور والظلمة و قوى الخير والشر) يمثل فيها الإمام ومريدوه النور بينما يمثل أعداؤه الظلم والظلمات.

لم تكن تهمة المانوية لتلصق بالشيعة وحدهم. ففي القرون الأول من ظهور الإسلام وجد الأوربيون في المسلمين طاعونا نزل على العالم المسيحي ناشرا الخراب أينما حل . ولم يكن المسلمون في نظرهم أكثر من شعوب وثنية أرسلها الرب لتعاقب وتمتحن المؤمنين. ولم يجدوا أية فروقات بين الهرطقة المانوية وبين ديانة محمد. ولأن المسيحيين يقدسون المسيح باعتباره بن الرب فقد كانت تصوراتهم عن المسلمين بشكل عام منطلقة من هذا الفهم ، إذ اعتبروا أن المسلمين يقدسون محمدا وتوقعوا أنهم جعلوا منه إلها وثنيا. وراجت مفاهيم – وبصفة خاصة خلال فترة السيطرة الإسلامية على إسبانيا – مفادها أن محمدا ربما كان قسا مسيحيا ارتد عن دينه، وربما كان كاردينالا قادته رغبته المحبطة في السلطة إلى السعي للانتقام من الكنيسة بنشر تعاليمه الخبيثة، وروجت هذه الكتابات إلى أن موته كان مزريا حيث افترسته الكلاب”.

وفي الوقت الذي يرفض فيه كثير من المسلمين ( سنة وشيعة) مناهج أغلب المستشرقين الطاعنة في الدين الإسلامي عقيدة وشريعة، يرفض الشيعة على وجه خاص كثير من الانتقادات التي وجهها المستشرقون إلى المذهب الشيعي بحجة أن اغلب هذه الانتقادات جاءت من ترجمة المصادر السنية حتى في أهم سند “شرعي” يعتمدون عليه وهو القول بأن الرسول (ص) قد نص على أن خليفته في المسلمين هو على بن أبي طالب في يوم غدير خم. فقد استبعد مارجليوث في كتاب “محمد وظهور الإسلام” (1905) هذه التوصية وبروكلمان في “تاريخ المسلمين” (1939) وكذلك المستشرق ذائع الصيت جولدتسهير الذي أورد رواية غدير خم بصياغة التشكيك.

بعيون صليبية

يمكن اعتبار القرن الثاني عشر الميلادي بداية المعرفة الغربية بالشيعة كتنظيم سياسي مع الحملات الصليبية زمن الدولة الفاطمية وتواتر الأخبار المشوقة عن فرقة الحشاشين وبعض من الأخبار عن شيعة سوريا وفلسطين، وهؤلاء لم يمتلكوا تلك الرائحة المثيرة التي امتلكها الحشاشون. وصاغ هؤلاء الكتاب المعلومات المحدودة التي توفرت لهم عن الشيعة بكثير من الخلط والتعميم. فقد نسب وليام الصوري – أهم مؤرخي الحملات الصليبية في القرن 12 – إلى الشيعة الاعتقاد بأن عليا هو نبي الإسلام الحقيقي، لولا أن الملاك جبريل اخطأ وأوصل الرسالة إلى محمد. وسار على نهج الصوري يعقوب دي فيتري Jacques de Vitry مطران عكا فيما بين 1216 و1228 والذي روج فيما كتب أن عليا كان نبيا مرموقا تكلم إليه الله كتقدير تمييزي عن النبي محمد. وبالمثل روج المنصر الشهير ريكولدو ديمونتو كروس Ricoldo da Monte Croce أن الشيعة يعتقدون بأن محمدا اغتصب حقوق علي. واعتبر ريكولدو أن اتباع علي يحتفظون بقدر من اللطف وانهم “أقل شيطنة minus mali   من الأغلبية السنية”.

لم تكن الحملات الصليبية مصدرا أساسيا لتصور الخلاف الشيعي السني فحسب ، بل كانت هذه الحملات مناسبة للسخرية والاستهزاء بنبي الإسلام في مقابل تقدير المحارب الجسور صلاح الدين الأيوبي، الذي أصبح يصور في صور شعبية وملاحم شعرية كثيرة في أوربا العصور الوسطى كفارس وإنساني وعادل وحكيم. وإن حاولت بعض المصادر المسيحية نزع عقيدة الإسلام عنه فروجت أن أمه مسيحية وأنه تحول إلى المسيحية على فراش الموت. وبينما وضع دانتي ( 1263-1321) النبي محمدا في إحدى أسوأ درجات الجحيم وذلك في مؤلفه الذي يحمل عنوان “الجحيم Inferno ” جعل صلاح الدين في درجات النعيم مع كل من بن سينا وبن رشد وكل من سقراط وأرسطو وأفلاطون”.

وقد اعتبر بعض الدارسين الغربيين الأفكار الشيعية
( وبالأحرى الفرق المهرطقة المحسوبة على الشيعة) انتحالا للأفكار الوثنية الإغريقية والفارسية القديمة، بل اعتبروا أن المكانة المقدسة للخمر لدى فرقة النصيرية (العلوية) دليلا على محاكاة المسيحية، وأن عليا بن أبي طالب لديهم هو مسيح الإسلام. كما كان احتفال النصيرية بالأعياد المسيحية مثل عيد الميلاد وعيد الغطاس والفصح وتقدير بعض القديسين المسيحيين تأكيدا لبعض المستشرقين والمنصرين بأن الفرق الشيعية ( أو المحسوبة على الشيعة) انتحلت أفكارا كثيرة من المسيحية، أو أنها ليست أكثر من طائفة مسيحية متنكرة بأقنعة شيعية. ولم تكن لدى كثير من المستشرقين القدرة على تصنيف بعض الفرق بشكل قاطع. من ذلك ما ذكره أحد الرحالة في عام 1697 بشأن فرقة النصيرية حين سأله أحدهم هل هؤلاء مسلمين؟ فأجاب ” إنه لسؤال صعب، بوسعنا فقط أن ننفي تشابههم مع بقية العقائد، إذ هم ليسوا مسلمين، وليسوا مسيحيين، وليسوا دروزا، وليسوا يهودا، كما أنهم بالتأكيد ليسوا زرادشة. وإذ قابل هؤلاء القوم سنيا اقسموا له أنهم مسلمون يصلون مثله ويصومون ، وإذا دخلوا مسجدا صلوا كما يصلي الناس وإذا خلوا إلى أنفسهم يتمتمون بلعن أبي بكر وعمر، إنهم يقولون إن الكتمان جهادنا”.

لقد كان علي بن أبي طالب أكثر الشخصيات الرمزية التي جذبت الدارسين الغربيين، ونظروا إليه ليس فقط باعتباره مؤسس المذهب الشيعي، بل وكشخصية حكيمة وسياسية وقائد بارز في الإسلام، وانتشرت في عدة دول أوربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر حكم ومقولات علي بن أبى طالب وتأثر بها بعض الحكام والأمراء في أوربا. كما قدم جوزيف آرثر – الذي خدم كدبلوماسي فرنسي في طهران فيما بين 1855 و1858 – معلومات جديدة للغرب ليس فقط عن الانشقاق السني الشيعي بل عن الاتجاهين الرئيسيين بين علماء فارس: الإخباريين Akhbaris والمجتهدين Mujtahids (النقل والعقل) وهي فروقات أرجعها لأسباب اجتماعية قبل أن تكون دينية. وأشار جوبينيو إلى أن الملالي الفرس حاولوا من خلال التشيع الاحتفاظ بدور القديسين في الديانات الفارسية القديمة حتى لا يفقدوا امتيازاتهم. وقد رأي جوبينيو في هؤلاء الملالي الورثة الشرعيين لكهنة الزرادشتية، وأن كافة المنظومة الشيعية ليست سوى تلفيقا جيد التنظيم لاستعادة نفوذهم، وشكلا من أشكال الاعتراض المبطن على الغزو العربي لأراضيهم.

وقد انتقلت هذه الفكرة إلى روسيا وعبر عنها بعض علماء الجغرافيا السياسية. على غرار ما يقوله جادجييف من أن ” إيران حافظت دوماً على تميزها القومي فى علاقاتها بالشعوب المجاورة حين اتخذت من الديانة الزرادشتية وسيلة للتميز القومى، ثم حين دخلت في الإسلام عالجت لنفسها نسخة مميزة من الإسلام باعتناقها المذهب الشيعى”.

الفرس والعرب

لم يكن جوبينو الوحيد الذي يقع في محظور التعميم عن الإسلام الشيعي. فقد كتب الفريد فون كريمر في عام 1868 عن “التعصب المفرط للشيعة وعدم تحملهم لغيرهم من أتباع الطائفة المحمدية”. وعلى النقيض كتب المستشرق الفرنسي كارا دي فو بعد ثلاثين سنة من ذلك التاريخ أن الشيعة “لديهم تفكير ليبرالي حر” ويكافحون في مواجهة العقلية السنية المتحجرة ضيقة الأفق. وأن العزلة التي يعيشها الشيعة تنبع من خوفهم من الاحتكاك بالآخر نتيجة نجاسته. وبالمثل اعتبر جولدتسهير – صاحب كتاب العقيدة والشريعة الإسلامية- حرص الشيعة على عدم الاحتكاك بالآخر المختلف دينا وعقيدة خوفا من نجاسته بمثابة استمرار للتقاليد الزرادشتية واليهودية.

 كما وضع الدبلوماسي البريطاني جيمس مورير James Morier معلوماته عن فارس من خلال مراقبته للمجتمع الفارسي إبان فترة عمله وترك أثارا أدبية مفيدة. وكانت أكثر أعماله الأدبية أهمية رواية “حجي علي بابا الأصفهاني” والتي نشرها في عام 1824 وقدمت صورة “كاريكاتورية” عن المجتمع  الفارسي وعلماء قم تهكم فيها مورير على الحالة الدينية بقوله ” في كل مكان تمر فيه يقابلك رجل دين يدعي أنه من نسل الرسول”.

وفي سبيل تدعيم مكانتها الاستعمارية في الهند، قام رجال الإدارة البريطانية في كلكتا بنشر كتاب “شريعة محمد” في 1805. وجاء من مصادر شهيرة للشيعة الإثنى عشرية وأهم ما اعتمد عليه هذا العمل كتاب “تحرير الأحكام وإرشاد الأذهان” للقاضي الشهير في القرن الرابع عشر الميلادي  بن المطهر الحلي. وقام باختيار هذه النصوص الضابط الإنجليزي جون بيلي John Baillie  الأستاذ في الشريعة الإسلامية واللغة العربية والفارسية، وقد سعى بيلي إلى نشر عدد أوسع من الأسس الشرعية للشيعة الإمامية. وفيما بعد نشرت دراسات مقارنة بين الشريعة لدى المذهب الحنفي والإثنى عشري. ولم يكن الأخير سوى مختارات من كتاب “تحرير الأحكام ”  المتعلقة بأمور الزواج والطلاق والرق والهبات والعطايا والوقف والميراث. كما تمت ترجمة كتاب “حياة القلوب” من الفارسية إلى الإنجليزية وهو كتاب يعتني بسيرة الرسول كتبه محمد باقر المجلسي. ومن أهم الكتب التي نقلت إلى الغرب في تلك الفترة كتاب “بحار الأنوار” وهو عمل شيعي تقليدي يعتبر أبرز الأعمال الدينية التي أنتجت خلال فترة الحكم الصفوي ومؤلف من 16 جزءا. كما نقلت بعض المعلومات عن كتب الشيعة الفارسية وبصفة خاصة أعمال مثل “معراج السعادة” و”قصص الأنبياء”.

لمس جولدتسهير قضية التقية لدى الشيعة من خلال مقابلته مع جمال الدين الأفغاني. كان الأفغاني لدى جولدتسهير شيعيا إيرانيا أخفى أصوله وادعى أنه أفغاني سني لكي يؤثر على العالم الإسلامي الأوسع، كان الأفغاني لدى جولدتسهير محرضا وداعية محترفا. وبينما أعجب جولدتسهير بتقية الأفغاني مدح المستشرق رينان في الأفغاني تحرره من تحيزات الإسلام لأنه ينتمي إلى تلك العروق الفارسية ذات الروح الآرية الخلاّقة وإن تدثرت بلباس إسلامي سطحي. وبالتالي فقد اعتبر رينان الأفغاني “أفضل مثال يثبت تلك البديهية العظيمة القائلة بأن قيمة الدين تتحدد بقيمة الأعراق التي تعتنقه . ومن ثم فإن الأفغاني هو “أنقى حالة يمكن أن نستشهد بها للاحتجاج الفارسي على الغزو العربي” .

قراءة يسارية وتحليل ماركسي

وفي مطلع القرن العشرين اتجهت الدراسات الاستشراقية الغربية نحو التوجهات الفلسفية والروحية في الفكر الشيعي وربط بعضهم – مثل المستشرق لويس ماسينون Louis Massignon- بين السيدة مريم العذراء والسيدة فاطمة الزهراء، وقابل بين صلب المسيح واستشهاد الحسين. ومن هذه الزاوية نظر إلى طقوس عاشوراء كامتداد لطقوس فارسية قديمة كانت تتباكى على “سيافيتش” الشهيد في الملحمة الفارسية القديمة. وحظيت احتفالات عاشوراء في العقد الأول من القرن العشرين باهتمام ملحوظ. وقدمت بعض الدراسات الألمانية عن الشيعة الزيدية والإمامية. وتطورت الدراسات الغربية حول الشيعة بشكل جيد التنظيم مع ستينيات القرن العشرين حين نشرت العديد من الكتب الشيعية.  وعلى الرغم من أن التقدم كان بطيئا في العقد التالي إلا أن الدراسات الخاصة بالشيعة اكتسبت قوة دافعة مع نشوب الثورة الإيرانية في نهاية سبعينيات القرن العشرين.

ونجحت ترجمة أعمال المفكر الإيراني علي شريعتي في توضيح بعض الأفكار المهمة والتعرف على المنهج الساخر الذي اتبعه شريعتي للهجوم على ركود الفكر الشيعي في إيران الشاه، وبصفة خاصة في كتابيه “دين ضد الدين” و”التشيع العلوي والتشيع الصفوي”. وقد حمل شريعتي للقراء في الغرب ( وكذا في المشرق العربي) مفاهيم لم تكن مطروقة على شاكلة “التشيع الأحمر” مقابل “التشيع الأسود” مفرقا بين “تشيع علي” و “تشيع الدولة الصفوية” وقد اكتسبت أفكار شريعتي أهميتها من استشرافها للثورة الإسلامية في إيران حينما عمل على ترويج مفهوم “تغيير المجتمع لا إصلاحه” بل يصنفه بعض الدارسين أحد مفجرات هذه الثورة واحد ممن أحسنوا تشخيص دور الطليعة المثقفة وعلماء الدين في إصلاح المجتمع بعد تشخيص أمراضه .

كانت كتابات شريعتي بالغة الأثر وافتتن البعض فيها بأدبيات الاستشهاد والتمرد التي بلورها شريعتي في نصوصه الجميلة حول التجربة الحسينية، وفي استخدامه البارع لرموز التراث الشيعي في اتجاه قراءة يسارية لما سماه بالتشيع العلوي (تشيع الفقراء والثوار) في مقابل التشيع الصفوي (تشيع المستكبرين والمستبدين). ومن ثم فقد ألهمت أفكار شريعتي قطاعا واسعا من اليسار العربي، كما ألهمت اليسار الإيراني نفسه.

ومنذ منتصف القرن الـ20 بدأ المفكر البريطاني اليهودي الأصل برنارد لويس دراساته الجادة عن الفرق الشيعية وبصفة خاصة في كتابيه “الإسماعيلية” و”الحشاشون”. وفي غضون عقدين من اشتغاله بهذه المهمة انتقل لويس إلى زاوية المراجعة النقدية للصورة النمطية الموروثة عن الشيعة والتشيع التي أرستها ترجمات وملاحظات القرون الماضية. وينتقد لويس ما يقوم به بعض الباحثين الغربيين من استخدام مفهوم الأرثوذكس والهيترودوكس Heterodox (الهرطقة) على الفرق الإسلامية، فثنائية الأرثوذكية/ الهرطقة مفهوم مسيحي  لا علاقة له بتاريخ الإسلام الذي لم يعرف كنائس أو مجالس كنسية، كما يرفض لويس مقارنة السنة والشيعة بمنظار مسيحي ضمن ثنائية الكاثوليكي/ البروتستانتي، وذلك لأنه ليس في قدرة أحد من الباحثين الغربيين تحديد من الكاثوليكي ومن البروتستانتي في الإسلام.

ينتقد لويس ما قام به الدارسون الغربيون في النصف الأول من القرن العشرين ( بمنهج أوربي قلق من النزعات القومية والعرقية) من رؤية الفرق بين الطائفتين تمثيلا للسامية والآرية. فالسنة وفق هذه الرؤية يمثلون سامية الإسلام العربي، بينما يمثل الشيعة آرية إيران الصاعدة اعتراضا على الهيمنة. وفي العصر الذي كانت أوربا تنتابها هواجس الصراع الطبقي والحرب الأيديولوجية بين الطبقات، نظر إلى الشيعة كممثلين للجماهير المقهورة، بينما كان السنة مثالا للمؤسسات البرجوازية. ويقر لويس أن مثل هذه المقاربات أقرب للخطأ منها للصواب فإسقاط التجربة الماركسية على تاريخ نشوء الفرق في الإسلام جد خاطئ. ففي كل زمن كانت هناك أفكارا بالغة التباين يصعب معها إطلاق التعميمات.

ويسخر لويس من استشهاد بعض الدارسين الغربيين بخطب الخميني ومنها قوله ”  لقد عاش السنة طوال تاريخهم خانعين خنوع التصوف للسلطة أيا كانت طبيعتها الشيطانية، بينما مثل الشيعة المقاومة والاعتراض، سعيا وراء التخلص من الحكم الطاغوتي المخالف للشرع”. ويرى لويس في هذا تبسيطا مخلا للأشياء، فالخانعون والثائرون كانوا على كلا الجانبين. بل إن الشيعة يضربون مثلا بليغا في الخضوع والانصياع من خلال مبدأ التقية، الذي يجعل المرء يدعي عقيدة غير عقيدته طالما كان في ذلك مصلحة لبقائه.

وحينما هددت الشيوعية الغرب بالتوسع في العالم الإسلامي وطُلب من لويس البحث عن موقف الإسلام من الشيوعية، وجد بينهما عوامل مشتركة ( وإن اعتبرها عارضة). فالشيوعية “المصمتة” تشبه الإسلام “المصمت” والإسلام كالشيوعية تجمعهما الكراهية المتنامية للقوة والامتياز الذي يتمتع به الغرب، كما يجمعهما الفقر المذل الذي تعيشه الجماهير. وعاد لويس إلى نصوص إسلامية من القرون الوسطى تطلب من المسلمين “الطاعة الكاملة والدائمة لولي الأمر بمقتضى الشريعة المقدسة” ومن ثم فقد اعتبر أن ” مجتمعا ربي علي هذه التعاليم لن يصدمه الاستخفاف الشيوعي بالحرية السياسية أو حقوق الإنسان” بل ربما يجذبه نظام يقدم قوة لا ترحم وفعالية في خدمة القضية.  كما وجد لويس عوامل تشابه بين مفكري الشيوعية وعلماء الإسلام فالطرفان “يدعوان لمذهب شمولي له إجابة كاملة ونهائية على كل الأسئلة في الدنيا والآخرة، وكلاهما يقدم لأتباعه إحساسا بالانتماء إلى رسالة، فالإسلام مثل الشيوعية جماعي بدوره”. النتيجة المهمة أن الإسلام يشجع على الخضوع للسلطة بينما روح المقاومة للطغيان والحكم الفاسد متأصلة في القيم العميقة للحضارة الغربية”.

ولأن لويس يجمع بين الشيء ونقيضه في تحليله من فترة لأخرى ، نجده في موضع آخر يرى أن الإسلام كان في حد ذاته ثورة. فقد قام ثائرا على النظم القائمة بالفعل في مكة. فأقام في زمن وجيز نظما اجتماعية وسياسية جديدة . لقد بدأ الرسول محمد حياته في مكة كزعيم معارض ومشارك لبعض الوقت في كفاح مضاد لشعبه ونظم حكمهم. وحين لم يتمكن من تنفيذ هدفه ترك مسقط رأسه متجها إلى مكان جديد ليشكل – يمضي لويس- ما نسميه اليوم “حكومة المنفي”. ومن هناك استجمع القوى حتى تمكن من العودة و”قلب” نظام الحكم في مكة عنوة.

وبما أن المسلمين ينظرون إلى الرسول باعتباره القدوة والأسوة الحسنة فإن نمط مقاومته صار نموذجا يحتذى للحركات المعارضة في العالم الإسلامي المتحدية للنظام القائم وتسعى إلى الانقلاب عليه. هكذا كان العباسيون الذين ذهبوا شرقا إلى خرسان ثم عادوا إلى المركز ، والفاطميون الذين ذهبوا إلى شمال إفريقيا وعادوا إلى المركز، والخميني الذي أسس خرسانيته في “نوفل لوتشاتى”  Neauphle-le-Chateau وعاد إلى قم. وهناك حالات أخرى عديدة على مدار قرون التاريخ الإسلامي، وقد نجح البعض وفشل كثيرون. كما أن الفتوحات الإسلامية ، بمفهوم لويس ، ليست إلا قلبا لنظم الحكم في البلاد التي غزاها المسلمون.

من زاوية أخرى تركت المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني رائحتها في بعض القراءات التي وصلت إلى الغرب، حين حاولت بعض الأقلام اللبنانية في الدوريات الفرنسية إقناع القارئ أن الفلسطيني هو “حسين” هذا الزمان يلقى التعذيب والقتل على يد “يزيد” الإسرائيلي الذي “اغتصب” أرضه وأخضعه لحكمه الظالم..

ثم انتقلت الدراسات الغربية في الفترة التي تلت الثورة الإيرانية من نظريات التأصيل الفلسفي إلى تطبيقات الجغرافيا السياسية للأقليات الشيعية. وكان شيعة الأحساء والقطيف في السعودية وشيعة البحرين والكويت وشيعة لبنان النماذج الأكثر أهمية في هذه الدراسات، ليس فقط لتفحص إمكانية نجاح النموذج الثوري الإيراني في هذه المناطق، بل لجمع معلومات بالغة التفصيل عن حياة المجتمع الشيعي، بدءا من طموحات الحصول على فرص متكافئة في العمل والمشاركة السياسية وصولا إلى خبايا الدور السياسي والديني للحسينيات وتوجهات علماء الدين الشيعة وارتباطهم الملتبس بالمرجعيات الإيرانية والعراقية. وانتهز بعض من هذه الدراسات الظرف السياسي لإحياء معلومات تاريخية، كدراسة جون كول حول الشيعة كأقلية عثمانية، التي قدمت مراجعة موسوعية لأوضاع الشيعة خلال التناحر الصفوي العثماني وأثره على تأجيج الكراهية المتبادلة بين أبناء المذهبين التي جعلت الشيعة والسنة في العراق والخليج ضحايا غُرر بهم خلال الصدام السياسي بين القوتين الإقليميتين.

ويمكن اعتبار فترة دراسة الأقليات الشيعية في الصراع الأوربي العثماني المسؤول الأول عن انتشار كثير من المفاهيم الخاصة بالأقليات والاضطهاد، خاصة أن تلك الفترة شهدت إذعان الخلافة العثمانية للضغط الأوربي وقبول التدخل الغربي لحماية الأقليات المسيحية.

أقل الشياطين خطرا

بعد سقوط بغداد أمام الغزو الأنجلو أمريكي في أبريل 2003 احتل والي نصر، الباحث الأميركي المهاجر من إيران، مكانة كبيرة على الساحة الإعلامية. وقد تمكن نصر من تقديم سلسلة من الدراسات عن الآثار الإقليمية لسقوط النظام السني في العراق وأثر تحول العراق إلى أول دولة شيعية في العالم العربي المعاصر، وما لذلك من إلهاب المشاعر السياسية والمذهبية في دول الجوار.

كرر نصر قبيل غزو العراق الإشارة إلى أن الغرب قد اكتشف أن حركات الإسلام السياسي الشيعية مثلت الخطر الأكبر على الغرب لولا الخدمة الجليلة التي قدمتها أحداث سبتمبر2001 وصرفت الأنظار نحو “الشياطين” الأكثر خطرا من السلفيين. وبعد سقوط بغداد توقع نصر  اختلال خريطة المنطقة بشكل درامي وهو ما لم يتحقق، فلم يقم التحالف السني المصري- السعودي -الأردني في مواجهة التحالف الإيراني –العراقي –السوري – اللبناني (حزب الله) وإنما اتخذ أشكالا أقل أهمية وأكثر تواضعا.

 واستمرت نفس النظرة الغربية التي رأت الشيعة في القوس الممتد من باكستان إلى لبنان ومن أهوار جنوب العراق إلى الغيتوهات في كاراتشي جماعات من المضطهدين والمهمشين على يد الحكم السني لولا الدور الذي لعبته طهران في استقبال مواليد شيعة جدد مثل حركة أمل وحزب الله في لبنان وحزب الدعوة الإسلامية في العراق وحزب الوحدة في أفغانستان والحركة الجعفرية Tahrik-i Jafaria في باكستان.

وقد فتح الإنترنت مجالا إعلاميا لا ند له في إطلال الشيعة على تغيير الرؤية الموروثة عن موقف المستشرقين منهم. وبوسعنا اليوم أن نعثر على عشرات المواقع على الإنترنت تنافح فيها عن “مذهب أهل البيت” باعتباره المذهب “الوحيد” الذي حفظ رابطة الهداية بين الله والخلق ، والمذهب “الوحيد” الذي آمن بختم نبوة محمد (ص) وآمن في الوقت نفسه بالولاية فحافظ على الدين حيا إلى الأبد”.

وقد تبدو خريطة الاستشراق الاستعمارية مسؤولة عن قناعات معينة لبعض المفكرين الغرب تجاه التشيع. فقد رأى  فرانسو توبال في التشيع نزعة رومانسية وميلا لليأس والانتظار المهدوي الموعود. وأن الفكر الشيعي أقرب إلى الشيوعية العالمية. فالأقلية الشيعية تقاتل من أجل خلاص العالم من الظلم والاستبداد على نحو ما تناضل حركة البروليتاريا لتحرير البشرية جمعاء. ويرفض بعض الكتاب الشيعة هذه الرؤية باعتبار  أن الفكر الشيعي ما زال مجهولاً في فرنسا، لأن الإسلام الذي عرفته فرنسا من خلال مستعمراتها هو الإسلام السني الرائج في المغرب العربي والشرق الأوسط، خلاف الإسلام الشيعي الذي عرفته المستعمرات الأنجلوساكسونية. ويتغاضى هذا الرفض الشيعي عن تاريخ الخبرة الفرنسية مع شيعة المشرق العربي وبصفة خاصة في سوريا ولبنان.

وفي العقود الأخيرة التي برز فيها التركيز على الأقليات المذهبية في العالم العربي ركزت بعض الدراسات الغربية على الشيعة كأقلية منسية. وقد حظيت هذه الدراسات باهتمام خاص نظرا لأن مقدميها شغلوا مناصب بالغة الأهمية في الإدارة الأمريكية مثل جرهام فوللر من وكالة CIA  الذي أكد أن الشيعة وقعوا ضحية التمييز نتيجة سقوطهم في موقفين متناقضين، فداخليا اضطهدهم الحكام السنة وخارجيا نظر إليهم الغرب كخاطفين وإرهابيين ، قديما في صورة الحشاشين و حديثا في صورة مقاتلي حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

من زاوية أخرى التفت البعض إلى كيفية التلاعب بحقوق الشيعة والتغاضي عن إبادتهم طالما كان ذلك سيحقق مصالح تكتيكية للغرب. فقد كان بوسع الولايات المتحدة أن تقضي على صدام بعد إخراجه من الكويت كما كان بمقدورها تسليح الشيعة بدلا من تركهم يلقون الموت والتدمير على أيدي القوات العراقية. وعبر بعض الكتاب بطريقة ساخرة عن موقف الغرب تجاه المذابح التي قام بها نظام صدام حسين في العراق تجاه الكرد والشيعة. فالكرد على نحو ما يصور تشومسكي ” أصحاب بشرة بيضاء وأصول آرية ومن ثم لقوا التعاطف والتغطية الإعلامية والوعود والمساعدات المالية في مقابل إهمال متعمد للشيعة ذوي البشرة الداكنة والأصول العربية، وذلك حين كان السكوت عن جرائم صدام ضد الشيعة مفيدا آنذاك لأغراض جيوسياسية حتى لا تتفكك العراق أمام إيران.

لقد ساهم صعود الشيعة في العراق في ظهور مصطلحات تلقفها المجتمع المسلم بنفس درجة تلقف المجتمع الغربي للمفاهيم الاستشراقية. فقد ترسخت مصطلحات ترى في الشيعة “صفويين جدد” و “طابورا خامسا” لإيران  في العالم العربي. وكانت مثل هذه المصطلحات كفيلة بإظهار الشيعة أقل عروبة وأضعف إسلاما، رغم دفاع الشيعة عن أنفسهم باعتبارهم ليسوا أقل وطنية من بقية المسلمين. فقد حاربوا ببسالة في العراق ضد الإيرانيين الشيعة أمثالهم ، كما تصدوا في الكويت للغزو العراقي. كما أن مواقف حزب الله في الجنوب اللبناني في مواجهة إسرائيل وتحقيق نصر تاريخي بإجبار إسرائيل على الانسحاب تحت تهديد الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية في شمال فلسطين لا يحتاج إلى دليل على الدور الشيعي في حماية الأوطان.

ومع صعود حزب الله في لبنان منذ تحرير الجنوب في عام 2000 بدا المذهب الشيعي مليئا بثقافة المقاومة, ترى في دم الحسين “فداء للإسلام”. ومن هذا المنطلق لجأ زعماء حزب الله في الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006 إلى مخاطبة الإسرائيليين بقولهم ” إنكم تقاتلون أبناء الحسين وعلي”.

رؤى سلفية

 يعتبر بعض الكتاب الشيعة أن الموقف السلبي تجاه مذهبهم قد مر بداية عبر الفقه الحنبلي القائم في نظرهم على النقل لا على العقل. ومن ثم فإن الحنابلة لدى الشيعة كالحشوية والأشاعرة يعتقدون أن العقل قد يوافق الشرع وقد يخالفه، وبالأحرى فإنهم لا يرون للعقل كاشفية ولا حجية. ويعتقد فقهاء الشيعة أن موقف الحنابلة ليس أكثر من رد فعل متطرف لغلو المعتزلة في الاستناد على الأدلة العقلية. وكما أجبر المعتزلة الناس على اعتناق فكرهم في عهد المأمون والمعتصم والواثق استهدفوا أهل الحديث وضيقوا عليهم فما كان من هؤلاء إلا أن اتخذوا موقفا سلبيا وصاروا حرفيين يعلون من شأن النقل ويصرون عليه.

 ويرمي كل من الصوفية والشيعة التيار السلفي المتبع لمذهب أحمد بن حنبل بـ”المجسمة” أي الذين يقولون بأن لله صفات جسمانية كصفات عباده من البشر. ويتبرأ السلفية من هذه التهم في كل مناسبة. وهناك من كتب السلفية التي استهدفت الأفكار الشيعية بالنقد والقدح ما لا يحصى. وإن كان أقدمها شهرة ما ألفه أبو حامد الغزالي ( ت. 505 هجرية). وأكثرها مرجعية ما كتبه بن تيمية  (661-728 هـ) وأعاد إنتاجه محمد بن عبد الوهاب بعد أكثر من خمسة قرون. واستمر علماء السلفية يسيرون على نهج بن تيمية بشكل متقطع حتى شهد النصف الثاني من القرن العشرين (ومع تمدد المد السلفي في المشرق الإسلامي) دعما جديدا بظهور كتابات جيل جديد من المهاجمين للفكر الشيعي كان في مقدمتهم إحسان إلهي ظهيرالعالم السلفي الباكستاني الذي اكمل ما كان محب الدين الخطيب قد بدأه من هجوم منظم على الفكر الشيعي في منتصف القرن العشرين.

 باطنية ورافضية

 تنطلق مواقف المدرسة السلفية من رؤية الشيعة (باستثناء الزيدية) فرقا محتالة بنيت عقائدها على التشكيك والتدليس والتلبيس والخلع والسلخ وتروج لمذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، ويوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة، ولكن مقتا لأهل الإسلام وبغيا عليهم

 ويضرب علماء السلفية بأهم عقائد الشيعة عرض الحائط وفي مقدمتها حاجة الأمة لإمام معصوم، فليست الإمامة لدى السلفيين مطلبا من مطالب الدين، وليس من الإسلام في شيء الاعتقاد أن أئمة الشيعة يعلمون الغيب، فهذا لديهم شرك بالله

 يتفق السلفيون على تسمية الشيعة بالباطنية والرافضة. والرافضة تعني في الأصل التاريخي أولئك الذين رفضوا موقف زيد بن علي بن الحسين حين ترضى عن الصحابة. ويحمل المصطلح في الدلالة الشعبوية مفهوما عكسيا لأصله، إذ يشيع بين أهل السنة بمعنى المرفوضين من السنة، أو الرافضين للانضمام لمسيرة أهل السنة والجماعة، أو الرافضين لخلافة الصحابة. بينما يحمل المصطلح في دلالاته لدى الشيعة مفهوما مغايرا يوافقون فيه السنة بالقول أنهم رافضة، لكن “رافضة للاستعباد والتهميش، ورافضة للتفريط في ولاية أهل البيت، ورافضة لكل تهم المروق.

 ويشن السلفيون هجوما منظما متذرعا بدلائل تاريخية وفقهية على مشابهة الشيعة لليهود . فكما اعتقد اليهود في أن المُلك في آل داود قالت الرافضة بأن الملك في ولد علي. وكما قالت اليهود أنه لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سيف من السماء قالت الرافضة : لا جهاد حتى يخرج المهدي. وكما أن اليهود حرفوا التوراة حرف الرافضة القرآن. والرافضة لدى السلفيين كاليهود يستحلون دماء المسلمين. والرافضة كاليهود يستعملون التقية ويظهرون خلاف ما يبطنون من العداوة للمسلمين. بل إن اليهود والنصارى لدى بن تيمية أفضل من الرافضة لأنه “حين سئلت اليهود من خير أهل ملتكم قالوا : أصحاب موسى، وحين سئلت النصارى قالوا حواريّ عيسى. وحين سئلت الرافضة من شر أهل ملتكم قالوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم ، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة”.

 ويجمع علماء السلفية عبر العصور مهاجمة الشيعة لإقامة المآتم الشيعية والنياحة على من قتل من سنين عديدة. ويقول بن تيمية “لقد قتل من الأنبياء وغير الأنبياء ظلما من هو أفضل من الحسين. وقد قتل أبوه علي وهو أفضل منه وقتل عثمان بن عفان وكان قتله أول الفتن وترتب عليه من الشر والفساد أضعاف ما ترتب على قتل الحسين، ولم يفعل أحد من المسلمين أو غيرهم مأتما ولا نياحة على نحو ما فعل الشيعة. والخوارج لدى المدرسة السلفية أقل خطرا من الشيعة لأن الخوارج أتت بدعتهم عن “جهل وضلال” بينما أتت دعوة الرافضة عن “زندقة والحاد” وتعمد الكذب. وبينما يمنح بن تيمية فرقة النصيرية (العلوية) صفة الفرقة “الغالية” يعتبر الإسماعيلية “ملاحدة”. ويحذر السلفيون أتباعهم الصلاة خلف الشيعة لأنهم شر الناس في النقل والعقل بل هم أهل أهواء وفجور. ومن الواجب على المسلم لدى بن تيمية ترك عيادتهم وتشييع جنائزهم.

 واعتبر محمد بن عبد الوهاب أن أفكار ومعتقدات الشيعة كانت مادة غنية للملاحدة للهجوم على الإسلام. ويتفق جل علماء السلفية أن أكبر صدع يشق الشيعة عن أهل السنة والجماعة قولهم بتحريف القرآن. وأكد محمد بن عبد الوهاب أن من اعتقد عدم صحة حفظ القرآن من الإسقاط واعتقد ما ليس منه فقد كفر. كما قارن محمد بن عبد الوهاب الرافضة بالمجوس وافترض أنهم يقولون بوجود إلهين ( النور والظلمة) وأن الرافضة كالمجوس ينكحون المحارم، ويؤمنون كالمجوس بالتناسخ .

 من السعودية إلى باكستان

 وقد جاءت كثير من مواقف السلفية رد فعل على استقواء الدعوة الشيعية. فالغزالي بني هجومه بعد استفحال الدعوة الفاطمية في المشرق الإسلامي، وبن تيمية قدم عمله الموسوعي في الهجوم بعد انتشار كتب الشيعة كمراجع علمية للحكام فيما وراء بلاد العراق ، وفي منتصف القرن العشرين شن محب الدين الخطيب ومن تلاه من السلفيين الهجوم على الشيعة كرد فعل على دعوة التقريب التي سرت آنذاك بين الشيعة والسنة، وبالتحديد عندما استشعر الخطيب خطورة تزعم الأزهر لدعوة التقريب. وفي أعقاب إنشاء دار التقريب في القاهرة بتمويل شيعي إيراني استنكر الخطيب أن تقام هذه الدار في القاهرة عاصمة أهل السنة وليس في قم أو طهران . وقد رفض الخطيب دعوة التقريب بسبب حجة أساسية مفادها “التقية”، فكل ما يقوله الشيعة كذب ولا يمكن الثقة بهم.

 وتستمر الفرضية التاريخية على مدى أكثر من عشرة قرون مفادها لدى السلفيين أن المذهب الشيعي ظهر “كرد فعل مجوسي فارسي على هزيمتهم العسكرية أمام العرب فحاولوا الالتفاف على الإسلام لأنهم أدركوا انهم لن يتمكنوا من هزيمته وجها لوجه في معارك شريفة سافرة ولا سبيل إلى سحقه باغتيال أئمته فأزمعوا الرأي أن يتظاهروا بالإسلام وان يكونوا الطابور الخامس في قلعته”

 وقد استقرت في النصف الثاني من القرن العشرين مدرسة سلفية كان رائدها البارز الباحث الباكستاني السلفي إحسان إلهي ظهير ( الذي تلقى تعليمه في المدينة المنورة) وشن ظهير هجوما ضاريا (كان سببا في اغتياله) مستهدفا الشيعة والفرق غير السنية في باكستان والعالم الإسلامي. ولقيت كتبه رواجا وانتشارا واسعا في دول الخليج ذات التوجه السلفي وبصفة خاصة في المملكة العربية السعودية. ويقوم منهج ظهير على شن هجوم مشفوع بالرجوع إلى المصادر الشيعية ذاتها انطلاقا من مبدأ  “الأخذ من أفواه القوم وما سطرته أيديهم حجة لهم على أنفسهم”.

 والنتيجة المنتظرة من الهجوم الكاسح  المتسلح بالمصادر الشيعية  هو رفض أي تقارب مع الشيعة ، ويتساءل ظهير ” أي وحدة تأتي  على حساب أبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله البررة؟ وماذا يريدون بالتقريب ؟ أن نترك عقائدنا ونغمض عن أعراض أسلافنا التي تنتهك من قبل “إخواننا” الشيعة ونصفح عن جراحات أكلت قلوبنا وأقلت مضاجعنا؟ هل تطلب دعوة التقريب أن نكرمهم ويهينونا ونعظمهم ويذلونا ، ونسكت عنهم ويسبونا ، ونحترم أسلافهم ويحتقروا أسلافنا ، ونحتاط في أكابرهم ويخوضوا في أكابرنا .. فوربك تلك إذا قسمة ضيزى”.

 التقريب بين الغاية والوسيلة

 مع اشتعال الحرائق الطائفية في كل بلد إسلامي تعلو أصوات المنادين بالتقريب بين أبناء المذهبين. ويعتقد كثير من المؤمنين بفكرة التقريب بين السنة والشيعة أنهم يجاهدون في الله، ويسعون إلى تحقيق فضيلة جمع أبناء القبلة، وأصحاب الشهادة، والمؤمنين برسالة الإسلام في صف واحد قطعا للطريق على أعدائهم واستفادة بعزم الجميع لنهضة الأمة.

 ويقول أنصار التقريب أن الفُرقة خلقتها عوامل غير عقدية. فالمواقع الجغرافية التي استوطنها الشيعة كانت منعزلة ونائية ما سهل حياكة الشائعات بشأنهم وتلفيق التهم بحق طقوسهم، والتي تفنن الشيعة في إحاطتها بالسرية.

 والخلاف في أساسه لدي دعاة التقريب مصطنع، أرسته الأطماع الصليبية، ونفخ في ناره الاستعمار للإبقاء على المسلمين متفرقين ضعفاء. وما حديث العراق بجديد. وتتخذ الدعوة إلى التقريب في كل قرن دافعا مختلفا، وليست فكرة التقريب بدعة أو حدثا أملته الظروف المعاصرة. فمحاولات التوفيق قد بدأت منذ ظهور أول افتراق في جماعة المسلمين. وتوالت المحاولات المختلفة منذ عهد الإمام علي بن أبي طالب مرورا بموقف زيد بن علي بن الحسين ( رضي الله عنهم أجمعين) وحتى اليوم.

 وقد بدأت الدعوات حول التقريب منذ إرساء مبادئ الفكر الشيعي. ويمكن تتبع  تاريخ هذه الجهود منذ أول فتنة طائفية تشهدها بغداد سنة  328 هـ وما تبعها من فتن ارتبطت بسب وتكفير الشيعة للصحابة في مآتمهم. وجرت محاولات سياسية للتوفيق والتقارب على نحو ما قام به الخليفة المأمون من توليته العهد “لعلي الرضا” (أحد أئمة الشيعة الإثنى عشر). وقد فسر البعض ذلك بأنه حسن تدبير سياسي لامتصاص الشيعة وتفويت الفرصة أمام أعداء الدولة العباسية. لكن وفاة الرضا ( في بعض الروايات مسموما) حالت دون تحقيق نتيجة إيجابية من هذه السياسية.

 ويعد مؤتمر النجف في عام 1735 أهم محاولات التقريب على الإطلاق. ورعى المؤتمر “نادر شاه” أعظم ملوك إيران في ذلك العصر. وكان انعقاد المؤتمر بعد أحداث دامية جرت بعد استيلاء  “نادر شاه” على أراضي سنية ووقعت فيها صدامات بين السنة والشيعة إبان حروبه مع الدولة العثمانية. وانتهى المؤتمر بإلزام الشيعة بعدم سب الصحابة . ولم تستمر النتائج الإيجابية للمؤتمر بعد وفاة نادر شاه.

 وفي عام 1945 بدأت في مصر دعوة التقريب بإنشاء “دار الإنصاف للتقريب” وكان هدفها المعلن “فهم المذاهب الإسلامية، وتبعها دعوى أحد مشايخ قم في إيران ويدعى محمد تقي القمي في عام 1943واستجاب لدعوته بعض علماء السنة في مصر والزيدية في اليمن واتخذت من القاهرة مقرا لها وأقامت دارا أسمتها”دار التقريب بين المذاهب الإسلامية” وأصدرت مجلة “رسالة الإسلام” التي كانت النشاط الفعلي والوحيد للجماعة. وقد تزامن نجاح هذه الدار مع إصدار شيخ الأزهر محمود شلتوت فتواه في عام 1947 بـ”جواز التعبد على المذهب الجعفري”.

 ثم تنبهت طهران إلى أن نقطة الضعف الأساسية التي توجه لمسار التقريب تكمن في  تكثيف نشاط الدعوة الشيعية في القاهرة دون خطوة موازية في إيران. فأقامت من جانبها “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية” في عام 1990ودعت إليه بشكل دوري كبار شيوخ الأزهر ورجالاته. وقد بدأت تتحقق نتائج إيجابية لولا التورط الأمريكي- الإيراني في العراق منذ سقوط بغداد عام 2003. وقد ظهر خلال النصف الثاني من القرن العشرين تيار شيعي رأي أنه لا يجب فقط الاكتفاء بالتقريب بين الطرفين وأن يحتفظ كل طرف بما لديه من مواقف (صحيحة وخاطئة) وفضلوا الانتقال إلى مستوى آخر ألا وهو تصحيح ما في الفكر الشيعي من تجاوزات ومفاهيم مغلوطة.

 وتقوم المراجعات الفكرية على رفض اتخاذ وسطاء بين الله وخلقه، وإنكار الاعتقاد بتصرف الأئمة بالكون أو القول بأن الأئمة يعلمون الغيب، ونقد الأحاديث التي وضعت لإضافة شرعية على إمامة المهدي وحياكة الخرافات حولها، ورفض القول بتحريف القرآن ورفض التفسير الباطني للقرآن. والتسليم بأن عليا بن أبي طالب وإن كان بعيون الشيعة أفضل الصحابة إلا أن ذلك لا يعني ذلك أن الصحابة الذين لم يبايعوه خليفة للرسول قد ارتكبوا جرما، فالإمامة ليست جزءا من الإيمان. ويتبرأ زعماء هذه المراجعات من لعن الصحابة.

 وقد خطى العالم الشيعي الشهير موسى الموسوي خطوات أكثر تقدمية حين تجاوز مجرد النقد إلى وضع الشروط الواجبة لإعادة المسلمين إلى وحدة الصف وحصرها في العودة إلى التشيع العلوي الأول أي التشيع الديني لا التشيع السياسي. فالجمع بين المفهوم الديني والروحي والسياسي للإمامة لم يبدأ إلا في القرن الرابع الهجري مع البويهين والعباسيين وهو ليس منهج أهل البيت. وأكد كذلك على ضرورة إصلاح الخلل العقدي الذي لحق بالشيعة عبر التاريخ، مع ضرورة إبقاء الخلاف بين السنة والشيعة خلافا فقهيا شأنه شأن المذاهب الأربعة. ونادي الموسوي بالأخذ بفقه جعفر الصادق مباشرة وترك التبعية للمجتهدين الفقهاء.

  وفي النهاية بوسعنا طرح السؤال هل التقريب وسيلة أم غاية؟ بعض الحركات الإسلامية السنية والشيعية ( كالإخوان المسلمين وحزب الله) يرون للوحدة غايات أخرى، داخلية هذه المرة ، كالوقوف في وجه الطغاة. لكن ذلك ليس بالضرورة هدف الجميع، ففي معسكر الطرفين يقف صقور المذهبين غير معترفين بإسلام الفريق الآخر، ويرونهم مارقين خارجين على الدين. فالشيعي المتزمت لا يثق في أي مسعى للتقارب مع السنة ، إذ ليس هذا سوى وهم ، فأحفاد يزيد ومعاوية لن يتغيروا. والسلفي لا يرى في الشيعة سوى فرقة ممسوخة عن اليهودية أو النصرانية لا غاية لهم سوى الطعن في الدين.

 الغيورون على وحدة الإسلام يفتحون باب التقريب واسعا للتجاوز عن الخلافات وتفكيك الأوهام المنسوجة حول عقائد وممارسات الطرف الآخر، معتمدين على أن ما بين المذهبين من مشتركات في الأصول أكبر بكثير من خلافات الفروع. والغيورون على نقاء المذهب و”أرثوذكسيته” يرفضون “تمويه” الدين والابتداع في شرائعه وتقويض دعائمه بأكذوبة وخدعة أسمها “التقريب”.

 وتختلف المواقف من التقريب كلما تغير “اللاعبون المؤثرون”. فهناك الأغلبية المحتفظة برأيها في الصدور سواء وافقت على التقريب أم رفضته. وهؤلاء جمهور واسع في بعض البلاد الإسلامية التي ليست بها ثنائية مذهبية. وغالب إطلاع هذه الأغلبية حول مسألة التقريب مشوه ومبتور، صنعته قصاصات ورقية مقتضبة، أو مشاهد إعلامية صاخبة، أو خطب منبرية زاعقة.

 ويبدو أن ما سطره بن تيمية قبل 700 سنة هو ما يخشى أن يقوله جمهور كبير من أبناء المذهبين الآن. يقول بن تيمية في كيفية تعامل السنة مع الشيعة ” إن الهجر والنكران للرافضة يختلف باختلاف الأحوال من قلة البدعة وكثرتها وظهور السنة وخفائها. وأن المشروع قد يكون التأليف تارة والهجران تارة أخرى”.

 ولعل هذا هو بعينه منهج تعامل قطاع كبير من أبناء المذهبين معا، حتى ليبدو أن الطرفين يتعاملان بمبدأ التقية بحيث تفرض الأوضاع وقوى الجذب والشد ومواطن الضعف والقوة كلمتها على طبيعة الموالاة أو الرفض والنكران. انظر على سبيل المثال ما يقوله الكاتب السعودي عبد العزيز قاسم في حواره مع الشيخ الشيعي حسن الصفار:

 “نزعم أيها السادة أن ما نفعله ( من حوار وتقريب) هو جزء من مسئوليتنا المهنية الوطنية ، وإننا بما نقدمه سنفوت الفرصة على سيد العالم الأشقر الذي استمرأ دس أصابعه في أحشاءنا وبات منذ 11 سبتمبر يكيل لنا الاتهام تلو الآخر .. ويستضيف المارقين على إخواننا الشيعة في الكونغرس ليؤلب على الوطن ويبذل جهودا (علقمية)”.

 هل نتجاوز إذا قلنا أن دس السيد الأشقر أصابعه في الأحشاء هو الذي أجبر السعوديين على الالتفات إلى ضرورة الحوار مع الشيعة؟ وهل نتجاوز إذا فهمنا من هذا اتساقا وترجمة “حرفية” لما يقوله بن تيمية؟ وهل نتأسف بالمثل إذا أقررنا – من خبرة مباشرة وليس من قراءة نظرية- أن مواقف فريق من علماء الشيعة نحو التقريب ليست لوجه الله بقدر ما هي رغبة فقط في الفكاك من الدائرة الضيقة التي يحتبس فيها الشيعة إعلاميا وسياسيا، ورغبة في الولوج إلى آفاق أكثر اتساعا من الناحية الاقتصادية؟ إنها الأزمة الحقيقية: أزمة التقريب المراوغ المتشكك القائم على المصلحة الآنية.

المصدر: خطوات

المزيد:

عرض أسامة الهتيمي كتاب الشيعة في المشرق الإسلامي.. تثوير المذهب وتفكيك الخريطة

عرض أحمد طة حسين كتاب الشيعة في المشرق الإسلامي.. تثوير المذهب وتفكيك الخريطة

المتعلقات:

كتاب الشيعة في المشرق الإسلامي ضمن قوائم الكتب الممنوعة في معرض الكتاب

 تدوينات مرتبطة:

قائمة فهارس: كتابات الدكتور عاطف معتمد

بالصور: براغ .. رحلة الأقدام والأقلام بقلم الدكتور عاطف معتمد

بالخرائط: بحثًا عن الإسلام في المجر بقلم الدكتور عاطف معتمد

تدوينات ذات صلة:

بلعبة السياسة والسلطة: أوكرانيا .. من العودة إلى حلول الوسط الى فشل الثورة البرتقالية بقلم الدكتور عاطف معتمد

تدوينات اخرى:

عرض عاطف معتمد عبد الحميد كتاب الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية

عرض عاطف معتمد عبد الحميد كتاب الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر

الجيوبوليتيك.. طمع السياسة يشوه علماً!

من موضوعات بيت الجغرافيا:

الجغرافيا والماركسية السوداء

الجغرافيا والجندر..تحويلات العاملين الألبان في اليونان

الليل…سؤال جديد في الجغرافيا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s