مقال “موقع مصر العربية” عن مدونة خطوات في الجغرافيا

نشر موقع مصر العربية مقالا بعنوان “خطوات شبابية لاستعادة الرؤى الجغرافية المصرية” بقلم الكاتب مجدى سعيد ضمن سلسلة مقالاتة نقاط مضيئة وفيما يلى نص المقال بتصرف.

في مقدمة كتابه “شخصية مصر”، كتب الرائع جمال حمدان: طبيعي أن يكون للجغرافي كلمته في هذا المجال (شخصية المكان)، وإلا فإلى من يتجه المواطن العادي والمثقف العام لمعرفة جوهر وطنه؟ إلى من سوى ذلك الذي “يتخصص في عدم التخصص” كما وصف، وهو هكذا وصف لأنه الأخصائي الذي يضرب بحرية في كل العلوم، يربط الأرض بالناس، والحاضر بالماضي، والمادي باللامادي، والعضوي بغير العضوي، ويكاد يتعامل مع كل ما تحت الشمس وفوق الأرض – كل أولئك، وهذا تحفظ شرطي وشرط قطعي، من خلال وجهة نظر موحدة صارمة وأصيلة هي الإقليم والفكرة الإقليمية.

والجغرافيا بهذا ليست كما يبدو على السطح علمًا موسوعيًا فضفاضًا أو بحرًا لا ساحل له، بل هي علم تكاملي بالضرورة، بل العلم التكاملي بامتياز، الجغرافيا إنما الجسر الذي يربط بين العلوم الطبيعية والاجتماعية، وتصل ما فصل التخصص الأكاديمي الضيق، الجغرافيا باختصار ليست علم من كل بستان زهرة، ولا الجغرافي هو حاطب محتشد بليل، وحتى إن بدت الجغرافيا على السطح علمًا موسوعيًا، فإنها في الجوهر وبالفعل علم ملحمي على موسوعيته، علم العالم لا علم العلوم.

وفي مصر التي تفخر ليل نهار بجمال حمدان وشخصية مصر، والتي كانت من أوائل دول العالم التي عرفت جمعية جغرافية، حين أسسها الخديو إسماعيل عام 1875، وهي الجمعية التي لا زالت قائمة حتى اليوم، وفي مصر التي يصل عدد أقسام الجغرافيا فيها إلى 20 – 25 قسمًا، لا زال بعض الشباب من دارسيها ينظر إلى الجغرافيا على أنها “ما بتأكلش عيش”، ويدور الجدل بين الشباب حول صحة هذه المقولة من عدمها، من ذلك تعرف أين نقف حقًا من الجغرافيا، ومن أين يبدأ الشباب الذي أسس مبادرتين “خطوات في الجغرافيا” و”رؤى جغرافيا” لنقل هذا الواقع خطوة إلى الأمام.

ففي عام 2008 أسس الشاب أحمد مجدي (الطالب آنذاك في قسم الجغرافيا بآداب القاهرة) مدونته “خطوات في الجغرافيا” محاولًا أن يجعل منها دليلًا لطلاب الجغرافيا في مجال الخرائط والتدريب ومكانًا لتجميع كتابات كبار الجغرافيين، وشيئًا فشيئًا تحولت “خطوات” إلى فريق يستهدف حصول طلاب أقسام الجغرافيا على التدريب الصيفي في إدارة الخرائط والمساحة داخل الهيئات الحكومية مجانًا، وذلك من خلال مجموعة عامة على الفيسبوك تأسست في أكتوبر 2011، وهي مجموعة يتابعها 9854 شخص.

وفي عام 2013 أسس الدكتور عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا المساعد بآداب القاهرة حينذاك، مع عدد من الباحثين والخريجين وطلاب الجغرافيا فريق رؤى جغرافية الذي يعمل على نشر الاستفادة بين الطلاب للتعرف على كل نواحي الجغرافيا الطبيعية والبشرية، ويهدف الفريق إلى إفادة الطلاب والباحثين في جميع المجالات، وإتقان مهارات التقنيات الحديثة، وتبادل الخبرات بين التخصصات المختلفة، وإنشاء قواعد بيانات، وتأهيل الطلاب لإيجاد فرص عمل جيدة، وتسهيل العمل الميداني. ويقوم الفريق لتحقيق ذلك بنشاطين رئيسيين مكملين لبعضهما البعض.

هؤلاء الباحثين والخريجين وطلاب الجغرافيا لا يبدأون بالطبع من فراغ، فقد عرفت مصر الجمعية الجغرافية المصرية، والتي تصف نفسها بأنها أحد صروح مصر الحديثة التي تم إنشائها بمرسوم خديوي عام 1875- كأقدم جمعية جغرافية خارج أوروبا والأمريكتين والتي تضم ثروة من كتب قيمة باللغة العربية وغير العربية (نحو 30,000 مجلد) ودوريات علمية (أكثر من 325 دورية) ورسائل جامعية وخرائط قديمة وحديثة وتاريخية (أكثر من 12,000 خريطة وأطالس متنوعة (أكثر من 600)، حظيت بها الجمعية واقتنتها عبر تاريخ طويل من العطاء المتواصل والهدايا والهبات فائقة القيمة من حكام مصر وأمرائها ورجالاتها، والشخصيات الوطنية من أبنائها.

ولكن رغم هذا الحراك الشبابي متمثلًا في مبادراته الناشئة، والتي تحاول نفخ الروح في جسد حسبنا لطول رقاده أنه قد فارق الحياة، ورغم الكنز الاستراتيجي المتمثل في الجمعية الجغرافية المصرية وما بها من ثروات بشرية من كبار العلماء لا تقدر بثمن، لكنها بعد لم تصل إلى عصر نثر عطور معارفها على المجتمع عبر المساقات الهائلة المفتوحة الهائلة عبر الإنترنت (MOOCs)، والمتمثل أيضًا في الثروات المعرفية التي تحتويها الجمعية، والتي لم تصل بعد إلى تفعيلها النشر المفتوح (Open Access) وكل ما هو متاح منها هو عناوينها.
لكن القضية الكبرى لأهل الجغرافيا جميعًا علماء وباحثين وخريجين وطلاب في تقديري هي في أمرين:

غربة المصريين عن ذواتهم.. عن مصرهم وثرواتها الطبيعية والبشرية، غربة تأتي في ظل غياب لمشروع تنموي يقوم بالأساس على التنمية الذاتية للمجتمعات المحلية، وهي غربة يفترض في أهل الجغرافيا بمستوياتهم المختلفة أن يكونوا أول العاملين على إزالتها ومعالجتها.

غربة مصر عن عمقها الاستراتيجي.. العربي، والإفريقي والإسلامي، في ظل غياب رؤية ومشروع استراتيجي مصري ينبع من الإدراك المتراكم عبر تاريخها بجميع حقبه لأبعاد الأمن القومي المصري الحقيقية لا المزيفة، وهو البعد والعمق الذي كان يدركه الخديوي إسماعيل حينما أسس الجمعية الجغرافية، وهو البعد الذي اضمحل وتشوه عصرًا بعد عصر، حتى انمحى من عقول أبناء الوطن.

نحن ننتظر إذا من شباب وشيوخ الجغرافيا في مصر البدء، على الأقل، بإزالة غربة المصريين عن ذواتهم، ويعرفوا الناس بـ”جوهر وطنهم” – بتعبير جمال حمدان – في إطار فكر تنموي ذاتي محلي، مثل ذلك الفكر الذي يبشر به ويعمل عليه الأستاذ الدكتور حامد الموصلي، ولعل ذلك أن يكون من خلال:

زيادة منسوب الشغف بالجغرافيا بين طلاب وتلاميذ مدارسنا، فليست الجغرافيا في الجامعات فقط.

زيادة منسوب الشغف والمعرفة بالذات (أقصد هنا مصر) بين كل العاملين في مجالات العمل الخيري والتنموي، وليس أقدر من الجغرافيين على فعل ذلك.

تقديم خرائط تنموية حية وحاضرة ومعاصرة وكاشفة ومنشئة في مجالات شتى ترسم ملامح ثرواتنا الطبيعية والبشرية بتنويعاتها، ومساحات الفراغ، وإمكانات الفعل والتفعيل فيها، بما يجعل من حركة مؤسسات ومبادرات المجتمع الأهلي المصري على نور وبينة من الأمر.

أما غربتنا عن أعماقنا الاستراتيجية، فسيأتي تاليًا لإدراكنا لذواتنا، ولحاجتنا إلى علاقات أكثر عمقًا مع مكونات ذلك العمق الاستراتيجي، ولعل الجغرافيا حينما تتجلى في الرحلة والاستكشاف والمعرفة والتعارف، وهي أمور بدأ الشباب أيضًا في فك طلاسمها بعض الشيء عبر مبادرات فردية وجماعية نرجو أن تساهم في إزالة طبقات من الغفلة والغربة تراكمت عبر عقود سابقة من الفصل المتعمد، وربما يكون ذلك موضع حديث تال إن شاء الله.

المصدر: مصر العربية

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s