محدث: “التدريب الصيفى” لطلاب جغرافيا فى هيئة المجتمعات العمرانية

a magdy blog

a magdy blog

“التدريب الصيفى” لطلاب جغرافيا فى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وأجهزة المدن التابعة بالمحافظات

هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة -وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية
أسلوب التدريب دراسة نظرية وعملية وزيارة ميدانية
المقرر  الأجهزة والاعمال المساحية – تخطيط المدن والطاقة المتجددة
المستهدف جميع الفرق الدراسية من جميع الجامعات
طريقة التسجيل تقديم طلب التدريب الصيفي بمقر هيئة المجتمعات العمرانية داخل جهاز المدن الجديدة بالمحافظات
الشروط بدون شروط
وقت التقديم خلال الفصل الدراسي الثاني
وقت التدريب بعد انتهاء امتحانات الفصل الدراسي الثاني
مدة التدريب اسبوعين
التكلفة مجانى
المكافأة المادة العلمية وشهادة حضور
محتوى التدريب غير منشور
العنوان المقر الرئيسى: شارع الحرية – تقاطع محور 26 يوليو – مدخل 2 – الشيخ زايد.

فروع جهاز المدن الجديدة بالمحافظات:

جهاز مدينة 6 أكتوبر  و15 مايو والقاهرة الجديدة والفيوم الجديدة و العاشر من رمضان والعبور والشروق وبدر ودمياط الجديدة
http://www.newcities.gov.eg/know_cities/default.aspx

المصدر: خطوات

المصدر: خطوات

مواقع ذات صلة:

صفحة مباردة التدريب الصيفى على مدونة خطوات

مجموعات ذات صلة:

صفحة مبادرة التدريب الصيفى على الفيس بوك

خرائط «السكان والتنمية بمركز الإسماعيلية» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

a magdy blog

للاطلاع على خرائط «السكان والتنمية بمركز الإسماعيلية» كاملة (27 خريطة) ،فقط اضغط على اقرا المزيد.

الموضوع: اقليم قناة السويس

إعداد: أحمد مجدى رمضان – طالب شعبة الخرائط  بقسم الجغرافيا – كلية الاداب  – جامعة القاهرة

استاذ المادة: د. محمد احمد على حسانين  – مدرس بقسم الجغرافيا – كلية الاداب  – جامعة القاهرة

القائم على الجانب العملى: أ. منى حسين  – معيدة بقسم الجغرافيا – كلية الاداب  – جامعة القاهرة

المصدر: خطوات

المزيد:

خرائط «السكان والتنمية بمركز الإسماعيلية» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

تدوينات ذات صلة:

صفحة خرائط مصر على مدونة خطوات

خرائط «حى المقطم» من شركة النصر للإسكان والتعمير

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 

المصدر: خطوات

تدوينات ذات صلة:

صفحة خرائط مصر على مدونة خطوات

“كيف تجاوب فى امتحان جغرافيا” من محاضرات الدكتور فتحى أبو عيانة

a magdy blog

 

 

 

 

 

 

 

للاطلاع على مقال “كيف تكتب مقالًا جغرافيآ” للدكتور فتحى أبو عيانة  ، فقط اضغط على اقرا المزيد

المصدر: خطوات

المزيد:

“كيف تكتب مقالًا جغرافيا” للدكتور فتحى أبو عيانة

“الزيادة السكانية واحتمالات المستقبل” للدكتور فتحي أبو عيانة

تدوينات مرتبطة:

متى نحسن توظيف الجغرافيا باعتبارها علماً تطبيقيّاً” للدكتور عبدالرحمن الواصل

“الرجل الأول فى بناء نهضتنا الحديثة فى الجغرافيا” للدكتور محمد عوض 

“أثر العرب والاسلام فى النهضة الأوروبية: فى الجغرافيا” للدكتور محمد الصياد

“نشر الثقافة الجغرافية من قوة الدولة” للدكتور حمدي هاشم

” فى الطريق إلى حضارتنا فى الجغرافيا .. مبدعون أم مبتدعون” للكاتبة عبير الحربي

تدوينات ذات صلة :

محتويات المجلة الجغرافية العربية

محتويات مجلة الجغرافيا التطبيقية

الدوريات الجغرافية باللغة العربية

الدوريات الجغرافية باللغة الانجليزية (الجمعية الجغرافية)

الدوريات الجغرافية باللغة الانجليزية (شبكة الانترنت)

كتابات الدكتور عاطف معتمد

كتب البحث الجغرافى

الرسائل الجامعية بقسم الجغرافيا جامعة القاهرة

خرائط مصر الصحيحة والكاذبة

محدث: “التدريب الصيفى” لطلاب جغرافيا فى هيئة التخطيط العمرانى

a magdy blog 5

“التدريب الصيفى” لطلاب جغرافيا فى هيئة التخطيط العمرانى

الهيئة العامة للتخطيط العمراني-وزارة الإسكان والمرافق والتنمية العمرانية
أسلوب التدريب  دراسة نظرية وتطبيق عملي على الحاسب الآلي
المقرر تطبيقات نظم المعلومات الجغرافية في التخطيط
المستهدف جميع الفرق الدراسية من جميع الجامعات
طريقة التسجيل تقديم طلب التدريب الصيفي بمقر الهيئة
الشروط بدون شروط
وقت التقديم خلال الفصل الدراسي الثاني
وقت التدريب بعد انتهاء امتحانات الفصل الدراسي الثاني
مدة التدريب       أسبوعين
التكلفة مجانية
المكافأة المادة العلمية وشهادة حضور
محتوى التدريب غير منشور
العنوان  1 ش اسماعيل أباظة – القصر العيني – القاهرة

المصدر: خطوات

مواقع ذات صلة:

صفحة مباردة التدريب الصيفى على مدونة خطوات

مجموعات ذات صلة:

صفحة مبادرة التدريب الصيفى على الفيس بوك

خرائط محافظات مصر السكانية للدكتور محمد حافظ

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

للاطلاع على خرائط توزيع سكان محافظات مصر بدقة كاملة للدكتور محمد حافظ قسم الجغرافيا جامعة حلوان  ، فقط اضغط على المزيد

المزيد:

المصدر: صفحة  فيسبوك قسم الجغرافيا ونظم المعلومات كلية الاداب جامعة حلوان

تدوينات مرتبطة:

كيف تكذب مع الخرائط ؟ خريطة مصر فى جوجل بحث

خرائط مصر الصحيحة والكاذبة من جوجل بحث

الخرائط الكاذبة من موقع بولا شير Paula Scher

خرائط العالم من كتاب حقائق العالم The World Factbook

خرائط  العالم  من موقع yeah cartography & Geographic Perspective

خرائط  العالم من موقع إستوديو فلاد Vladstudio

خرائط العالم من موقع العمران الساحر Magical Urbanism

خرائط مصر من موقع d-maps

خرائط مصر من موقع مكتبة خرائط جامعة تكساس

خرائط مصر من موقع مركز توثيق التراث الحضارى والطبيعي

خريطة مصر السياسية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة

خريطة مصر السياسية من الهيئة العامة للمساحة

خرائط مصر السياسية من موقع وزارة الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات

خرائط مصر الجيولوجية من الهيئة المصرية العامة للبترول

خرائط محافظات مصر من موقع بوابة الحكومة المصرية

خرائط محافظات مصر من موسوعة مصر الجغرافية

خرائط محافظة الفيوم من الهيئة المصرية العامة للمساحة

خرائط محافظة القليوبية السكانية من صفحة الكارتوجرافى إبراهيم السعدنى

خرائط أحياء القاهرة والجيزة من موقع الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء

خرائط أحياء القاهرة من موقع الادارة العامة للمعلومات و التوثيق

خريطة شياخات القاهرة من الادارة المركزية للمعلومات وتكنولوجيا الاتصال

خريطة مواصلات مصر من الهيئة العامة للطرق والكبارى

خريطة الطرق المؤدية الى مراقد مصر المقدسة من وزارة السياحة

خريطة أفريقيا الطبيعية من محاضرات الدكتورة امال شاور

خرائط حرب 6 أكتوبر من ذاكرة مصر المعاصرة

خرائط ثورة 25 يناير 2011

خرائط ذكري ثورة 25 يناير 2011

تدوينات ذات صلة:

أطلس «إقليم الدلتا» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

أطلس «إقليم قناة السويس» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

أطلس «بنى سويف» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

أطلس «حلوان» من مقرر الدراسة الميدانية البشرية

أطلس «الإسكندرية» للمهندس مصطفى الفضالى

أطلس «مخاطر التغيرات المناخية علي السواحل المصرية» للدكتور خالد عودة

أطلس «تنمية منشية ناصر » من محافظة القاهرة

أطلس «المناطق الصناعية» من موقع الهيئة العامة للتنمية الصناعية

أطلس «المأثورات الشعبية» من وزارة الثقافة 

أطلس «بنى سويف» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

a magdy blog

للاطلاع على الأطلس كامل فقط اضغط على اقرا المزيد

المزيد:

أطلس «بنى سويف» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

المصدر: خطوات

تدوينات مرتبطة:

تغطية: أطلس «إقليم الدلتا» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

تغطية: أطلس «إقليم قناة السويس» من مقرر المشروع الكارتوجرافى

تغطية: أطلس «حلوان» من مقرر الدراسة الميدانية البشرية

تغطية: أطلس «الإسكندرية» للمهندس مصطفى الفضالى

تغطية: أطلس «مخاطر التغيرات المناخية علي السواحل المصرية» للدكتور خالد عودة

تغطية: أطلس «مشروع تطوير وتنمية منشية ناصر»

أطلس المناطق الصناعية المصرية من موقع الهيئة العامة للتنمية الصناعية

أطلس «المأثورات الشعبية».. دراسة السلوكيات والعادات

تدوينات ذات صلة:

كيف تكذب مع الخرائط ؟ خريطة مصر فى جوجل بحث

خرائط مصر الصحيحة والكاذبة من جوجل بحث

الخرائط الكاذبة من موقع بولا شير Paula Scher

خرائط العالم من كتاب حقائق العالم The World Factbook

خرائط  العالم  من موقع yeah cartography & Geographic Perspective

خرائط  العالم من موقع إستوديو فلاد Vladstudio

خرائط العالم من موقع العمران الساحر Magical Urbanism

خرائط مصر من موقع d-maps

خرائط مصر من موقع مكتبة خرائط جامعة تكساس

خرائط مصر من موقع مركز توثيق التراث الحضارى والطبيعي

خريطة مصر السياسية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة

خريطة مصر السياسية من الهيئة العامة للمساحة

خرائط مصر السياسية من موقع وزارة الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات

خرائط مصر الجيولوجية من الهيئة المصرية العامة للبترول

خرائط محافظات مصر من موقع بوابة الحكومة المصرية

خرائط محافظات مصر من موسوعة مصر الجغرافية

خرائط محافظة الفيوم من الهيئة المصرية العامة للمساحة

خرائط محافظة القليوبية السكانية من صفحة الكارتوجرافى إبراهيم السعدنى

خرائط أحياء القاهرة والجيزة من موقع الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء

خرائط أحياء القاهرة من موقع الادارة العامة للمعلومات و التوثيق

خريطة شياخات القاهرة من الادارة المركزية للمعلومات وتكنولوجيا الاتصال

خريطة مواصلات مصر من الهيئة العامة للطرق والكبارى

خريطة الطرق المؤدية الى مراقد مصر المقدسة من وزارة السياحة

خريطة أفريقيا الطبيعية من محاضرات الدكتورة امال شاور

خرائط حرب 6 أكتوبر من ذاكرة مصر المعاصرة

خرائط ثورة 25 يناير 2011

خرائط ذكري ثورة 25 يناير 2011

“نشر الثقافة الجغرافية من قوة الدولة” للدكتور حمدي هاشم

a magdy blog

كَتَب: د. حمدي هاشم

تحدد الجغرافيا العلاقة بين الإنسان والأرض،باعتبار أن الجغرافيا توجه التاريخ،وتهيئ العوامل الجغرافية (الحرارة والمطر والرياح والتربة والأنهار والشواطئ وطرق التجارة وغيرها) سبل نشأة المدينة وازدهارها عبر مراحل التاريخ البشري. وتظل الثقافة الجغرافية هي الثقافة الأم التي تبنى الأمم وتخدم أهداف التنمية الشاملة لأفراد المجتمع، وبالاهتمام المطلوب بها ترسخ معايير الهوية الوطنية والانتماء والمواطنة. بل إن الارتقاء بقيادة الجيش رهن بمعرفة أساسيات الجغرافيا ومحددات شخصية المكان، من واقع تلك العلاقة العضوية بين الجغرافيا والحرب لإحراز النصر العسكري وتحقيق مغانم السياسة والاقتصاد.

وتظهر قيمة الثقافة باستمرار في تصحيح مسار المجتمع، رغم نزعة دولة أمريكا للسيطرةعلى العالم منذ الاستقلال (عام 1776) وإن صورة الحاضر في ظل العولمة إنما هي امتداد لماضي الرأسمالية المتوحشة؛ فحينما كشفت الجمعية الجغرافية الوطنية انتشار ظاهرة الأمية الجغرافية بين مختلف قطاعات المجتمع الأمريكي، بادرت الحكومة بتأكيد أهمية الثقافة الجغرافية من أجل مستقبل أفضل لمواطنيها وقامت بإلزام الطلاب قبل الالتحاق بالجامعات الحصول على درجات عالية  في مادة الجغرافيا، بل طرحت في (25 يناير 1994) مشروع قانون تثقيف أمريكا 2000 وأيدت اختيار الجغرافيا ومعها فنون اللغة الانجليزية واللغات الأجنبية والتاريخ والعلوم، كمواد خمس أساسية ستواجه بها الدولة القرن الواحد والعشرين.

ويظل العلم جزء من الثقافة وبينهما تشهد وحدة المعرفة تداخلات شتى تدلو فيها الجغرافيا بدلوها، حتى صارت علم تكاملي يجمع كل العلوم بما له من جوانب التحليل والتنبؤ التي يتضمنها ويساهم بها في تنمية المجتمع المحلى والدولي؛ وكان ذلك وراء مشروع  تحسين معايير التربية الجغرافية الأمريكية (1995) بهدف تخطي علم الجغرافيا مرحلة الأفكار والاستراتيجيات والتطبيقات الجديدة وصولاً إلى مرحلة الجغرافيات الجديدة فائقة المستوى العلمي والقادرة على محاكاة تلك الإمكانات الهائلة للحاسب الآلي، ونظم الاستشعار عن بعد ونظام تحديد المواقع العالمي وذلك من أجل خدمة القضايا السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.

وفي مصر جاءت ندوة الجغرافيا في التعليم العام بالمجلس الأعلى للثقافة (2002) لتؤكد على أهمية نشر الثقافة الجغرافية بين مختلف فئات المجتمع، وحذرت من مخاطر غياب الجغرافيا كمصدر رئيس من مصادر الثقافة التي تخدم قضايا الوطن، وقررت مسئولية التربية الجغرافية في بناء فكر وشخصية الإنسان وسلوكياته وقيمه، لأصالة جذور الجغرافيا الثقافية في مثيلاتها من الثقافات العلمية الأخرى؛ وخلصت هذه الندوة إلى أن التعليم النظامي الحالي يفتقد القدرة على تأهيل ثقافة الفرد من جميع النواحي ومن بينها الناحيةالجغرافية، الأمر الذي يتطلب نشر هذه الروح الثقافية الفاعلة من أجل الحد من أخطار العولمة وحماية مستقبل الثقافة العربية.

هكذا تأتى مسئولية الثقافة الجغرافية والمطلوب منها تجاه تنمية البيئة والمجتمع في نشر ثقافة استقراء الحقائق والمفاهيم الجغرافية، واستكشاف قيمة الجغرافيا وتطبيقاتها في الحياة والمجتمع، والقدرة على توظيف المهارات الجغرافية لحل مشكلات وقضايا التنمية، علاوة على الارتقاء بسلوكيات المحافظة على البيئة مما يلوثها في الريف والحضر. ناهيك عن قدرة الجغرافيا على إعداد الفرد في عصر العولمة من خلال غرس مقومات الهوية وتنمية مشاعر وأحاسيس الولاء والانتماء للوطن والإعلاء من شأنه، ورفع وعي المواطن برسالته القومية والإنسانية.

وماذا بعد فشل المشروع القومي العربي ومشاريع الليبرالية التي عرفتها كثير من البلدان وتراجع اليسار وتنامي قوى التي توظف الدين في السياسة، وما يشهده الوطن الكبير من التغيرات الاجتماعية والسياسية في الآونة الأخيرة؟ سوى إعداد رؤية لمستقبل الثقافة العربية بالتوافق مع معطيات عصر تكنولوجيا المعلومات، وبالاعتماد على برامج متطورة لنشر الثقافة الجغرافية ذات الاتصال المباشر بالحياة وما فيها من ظواهر مختلفة، والتي تسهم في تنمية القيم بجميع أنواعها وتساعد على ايجابية السلوك الاجتماعي. ويلزم ذلك الاهتمام بالتربية الجغرافية في التعليم العام وإدخال الجغرافيا السلوكية والجغرافيا الثقافية في التعليم الجامعي، وتفعيل الجغرافيا في تنمية الثقافة العسكرية والأمنية وغيرهما من أجل الاستقرار في المستقبل.

المصدر: خطوات

المزيد:

كتاب: مستقبل الثقافة فى مصر العربية للدكتور سليمان حزين

ملخص كتاب: الجغرافيا الثقافية للدكتور مايك كرانغ

رسالة دكتوراه: أثر برنامج مقترح في الثقافة الجغرافية  لدى طلاب شعبة الجغرافيا للباحث ياسر يحي عبد الحميد 

 تدوينات مرتبطة:

ماذا لو اختفى نهر النيل عن مجراه الطبيعي بقلم الدكتور حمدى هاشم

التأثير البيئي لسدود نهر النيل العملاقة بقلم الدكتور حمدى هاشم

في سِـفْـر (الجغرافيون الأعلام) مع الدكتور حمدى هاشم

تدوينات ذات صلة:

أطلس المأثورات الشعبية: دراسة السلوكيات والعادات والمراسم الاحتفالية

متى نحسن توظيف الجغرافيا باعتبارها علماً تطبيقيّاً؟ بقلم الدكتور عبدالرحمن الواصل

ثورة الجغرافيا بقلم الباحث مجدى موسى

في الطريق إلى حضارتنا: فى الجغرافيا مبدعون أم مبتدعون؟!

الرجل الأول فى بناء نهضتنا الحديثة فى الجغرافيا بقلم محمد عوض 

أثر العرب والاسلام فى النهضة الأوروبية: فى الجغرافيا بقلم محمد الصياد

في الأسبوع الماضي كان: جمال عبد الناصر يدرس الجغرافيا بقلم أنور السادات

تغطية: كتاب الجغرافيا الجامعى .. فوضى الخرائط والمصطلحات السياسية

تدوينات اخرى:

بلاد النوبة أيقونة مصر .. مقال في الجغرافيا البيئية بقلم الدكتور حمدى هاشم

الجغرافيا الثقافية فى حياة المواطن بقلم الدكتور أحمد عبد العال

أفريقيا ومزاعم ثقافة العولمة : قراءة جغرافية في آلية الانتشار الثقافى بقلم الدكتور حسن الياس

عرض رسالة الثقافة الجغرافية وكيفية تنميتها لدى معلمي الجغرافيا بقلم الدكتور إدريس سلطان صالح

الجغرافيا وإشكالية التخلف بقلم مولاي المصطفى البرجاوي

أمية جغرافية بقلم حلمى النمنم

أفكار حول موت الجغرافيا صدام العولمة والخريطة بقلم بليغ حمدي

جغرافية الثقافة ودور المثقف بقلم لطيف القصاب

الجغرافيا هي الحل بقلم مأمون فندى

عين الطائر .. أول مجلة ثقافية جغرافية تُكتب بواسطة طلاب قسم الجغرافيا 

الأمية وأثرها في التوجهات العامة للتصويت في مصر للدكتور أحمد المغازى

a magdy blog

كَتَب: أحمد المغازى

اختلفت التحليلات حول تأثير الأمية في الوعي السياسي ومن ثمّ في نتيجة الاستفتاء على الدستور الجديد في مصر. ومع ذلك، فمن الإجحاف الربط المتلازم بينهما، فقد يتحقق هذا الوعي وهذا الإدراك للإنسان الأمي كما يتحقق للإنسان المتعلم، وقد يغيب عن الاثنين، وإن كانت فرص تحققه بين المتعلمين أكبر.

وتوضح الدراسة أنّ هناك تأثيرًا للأمية في قرار التصويت بـ “نعم” في هذا الاستفتاء، وذلك في عدد من المحافظات المصرية، ولكن يتعين التعامل مع هذا الاستنتاج بشيء من الحذر؛ لاعتبارات عديدة منها: انخفاض نسبة المشاركة في الاستفتاء، وعدم انسحاب تأثير الأمية في قرار التصويت بـ “نعم” على باقي محافظات الجمهورية.

لذلك توصي الدراسة بضرورة بذل المزيد من الجهد من قبل السياسيين ومؤسسات الدولة لتحفيز المجتمع للمشاركة بفاعلية في العملية السياسية، والعمل على رفع مستوى الوعي السياسي لدى فئات المجتمع وشرائحه كافة.

تطورت الجغرافيا السياسية من دراسة الدولة إلى دراسات عديدة متعمّقة ترتبط بالتحولات الاقتصادية والسياسية، ومنها جغرافية الانتخابات Electoral Geography التي تعد من الاتجاهات المعاصرة في الجغرافيا السياسية؛ وهي تدرس النشاط الانتخابي داخل الدولة عن طريق تحليل الدوائر، والتعرّف على التباين المكاني في التصويت، والتأثيرات الجغرافية التي نتج منها هذا التباين، ودراسة الحملات الانتخابية للمرشحين والبعد الجغرافي لها، والسلوك التصويتي للأفراد والجماعات من خلال التعرف على العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والثقافية وغيرها من الأمور التي تشكِّل الرأي العام للناخبين. وهذا ما تحاول الدراسة بحثه في نتيجة الاستفتاء على الدستور المصري الجديد في كانون الأول/ ديسمبر 2012، وتحديدًا بحث مدى تأثير الأمية في نتيجة هذا الاستفتاء.

تعدُّ الأمية مفردة من مفردات الواقع المصري وظاهرة اجتماعية تحكمها محددات كثيرة، يأتي الفقر في مقدمتها. وتعرّف بأنّها عدم القدرة على القراءة والكتابة، ويعرّف الأمي بأنّه الفرد الذي لا يستطيع القراءة والكتابة، ويتراوح عمره بين 14-35 سنة وغير مقيد بأية مدرسة، ولم يصل في تعليمه إلى مستوى نهاية الحلقة الابتدائية من التعليم الأساسي. ويعتبر التعريف الإحصائي الشخص أميًا عندما يكون غير قادرٍ على القراءة والكتابة وأن يكون عمره 10 سنوات فأكثر. أما في التعريف الاجتماعي “فإنّه الشخص الذي لا يعرف حقوقه وواجباته السياسية”[1]، وتعرّف الأمم المتحدة الأمي بأنّه “الذي لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب الأرقام فقط أو اسمه أو مجموعة من العبارات التي يختزنها في ذاكرته”[2]. وتستخدم الأمم المتحدة معدل الأمية كمعيار للفصل بين الدول المتقدمة والدول النامية، وقدّر هذا المعدل بنحو 20% من جملة السكان فوق 15 سنة[3]، ما يعني أنّ مصر ما زالت دولة نامية طبقًا لهذا المقياس، حيث بلغ معدل الأمية فيها 29.6٪ عام 2006.

ولقد اختلفت التحليلات حول تأثير الأمية في نتيجة الاستفتاء؛ إذ يرى البعض أنّ أمية القراءة والكتابة يتولد عنها الأمية السياسية وقلة الوعي السياسي المقرون بالتجييش الديني الذي يسهل معه التلاعب بهذه الفئة واستخدامها في أي عملية انتخابية. في حين يرى فريق آخر أنّه لا توجد علاقة علمية محددة بين أمية القراءة والكتابة والأمية السياسية وقلة الوعي السياسي.

ومن المؤكد أنّ هناك علاقة قوية بين الجهل بمعناه الشامل وبين الوعي السياسي أو الوعي الاقتصادي. أما أمية القراءة والكتابة فقد يكون من الإجحاف الربط المتلازم بينها وبين الوعي السياسي أو حتى الاقتصادي؛ فالوعي السياسي هو الفهم العام للمناخ السياسي بالمجتمع من أفكار وممارسات واختلافات سياسية يستطيع الفرد من خلالها إدراك محيطه السياسي واتخاذ الموقف المناسب، ومن ثمّ التفاعل والتأثير البنّاء في مجمل العملية السياسية. وقد يتحقق هذا الوعي والإدراك للإنسان الأمي كما يتحقق للإنسان المتعلم وقد يغيب عن الاثنين، وإن كانت فرص تحققه بين المتعلمين أكبر.

وفي سياق الاستفتاء على الدستور المصري الجديد وضمن إطار مشهد سياسي مرتبك، تداخلت المواقف وتشابكت بشكل معقد بين التيارات السياسية الموجودة على الساحة المصرية وانتقلت هذه الحالة إلى الناخب بغض النظر عن حالته التعليمية، فلم يكن الاستفتاء على الدستور إلا واجهة لصراع سياسي مرير بين التيارات المدنية وتيارات الإسلام السياسي. واستخدم الطرفان كل الوسائل الممكنة لإقناع الناخب بما يرى كل منهما أنّه الصواب، كما مارسا ضغوطًا شديدة على الناخب في محاولة لاستقطابه. واختلطت الأمور وتشابكت، فلم يعد الاستفتاء على الدستور فحسب، بل أصبح على مشروعين متصارعين؛ يرتدي الأول عباءة الدولة المدنية والثاني عباءة الإسلام السياسي.

غير أنّ هذا الصراع المحموم لم يستطع تحريك الشارع السياسي بكامل طاقته، فعلى الرغم من أنّ عدد الناخبين المسجلين قد بلغ 51918866 نسمة، فلم يشارك منهم في الاستفتاء سوى 17058407 ناخب بنسبة 32.9% من جملة عدد الناخبين المسجلين، وحققت محافظتا السويس وبني سويف أعلى نسبة مشاركة (38.7%)، في حين سجلت محافظة أسوان أقل نسبة مشاركة (22.7%). وكانت نتيجة التصويت لصالح الموافقة على إقرار الدستور بنسبة 63.8% مقابل 36.2% لغير الموافقين[4].

للطلاع على الدراسة كاملة فقط اضغط  على اقرا المزيد


[1] عبد الرؤوف أحمد الضبع، “الأمية والسلوك الإنجابي”، المجلة المصرية للتنمية والتخطيط، المجلد 2، العدد 2 (القاهرة: 2000)، ص 74.

[2] Shryock, H.S., and Sigel, J.S., The Methods and Materials ofDemography (New York: Condensed edition by Stockwell, E. G. Academic Press1976), p. 32.

[3] J. Clarcke, “Geography, Demography, and Population,” in J. Clarcke (ed.), Geography Population, Approaches and Applications (London: Oxford, 1985), p. 212.

[4] موقع لجنة الانتخابات الرئاسية، استفتاء الدستور 2012، النتائج النهائية.

المصدر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

المزيد:

دور الأمية فى التاثير فى التوجهات العامة للتصويت فى مصر للدكتور أحمد المغازى

جغرافية الانتخابات تطورها و منهجيتها للدكتور جاسم كرم

مفهوم الجغرافيا السياسية ومجالها للدكتور محمود توفيق

الابعاد الجيوديموجرافية لانتخابات مجلس الشعب المصرى للدكتور سامح عبد الوهاب

خريطة مصر الانتخابية مع التطبيق على محافظة الجيزة للدكتور سامح عبد الوهاب

الجغرافيا الاقتصادية للدكتور انورالعقاد و محمد الحمادى

الجغرافيا الاقتصادية و السياسية و السكانية و الجيوبولتيكا للدكتورعاطف علبى 

الجغرافيا السياسية و الجغرافيا الاستراتيجية للاميرال بيير سيليرييه

تدوينات مرتبطة:

مصر.. ملامح دولة صنعت التاريخ بقلم الدكتور عاطف معتمد

مصر بين دكتاتورية النهر وديمقراطية الصحراء بقلم الدكتور صبرى حمد

كتاب «ميدان التحرير ونهر الثورة» للدكتور فتحى مصيلحى

كتاب «نحو خريطة جديدة لمصر» للدكتور محمد رياض

كيف تكذب مع الخرائط ؟ خريطة مصر من جوجل بحث

هل يمكن أن تتنبأ الخرائط السياسية بالصراعات القادمة في العالم ؟

تدوينات اخرى:

الخريطة الجغرافية والسياسية للمصريين في الخارج بقلم محمود عبده

مشروع “قناة السويس الجديدة” من مجلس الوزراء

a magdy blog

كتب : أحمد مجدى

مشروع “قناة السويس الجديدة” هو مشروع مصري تنموي ضخم تم تدشينه في الخامس من أغسطس عام 2014، ويهدف الى تعظيم دور إقليم قناة السويس كمركز لوجستي وصناعي عالميمتكامل اقتصادياً وعمرانيا ومتزن بيئياً، ومكانياً يمثل مركزاً عالمياً متميزاً في الخدمات اللوجستية والصناعية، كما يسعى المشروع إلي جعل الإقليم محوراً مستداما يتنافس عالميا في مجال الخدمات اللوجستية والصناعات المتطورة والتجارةوالسياحة، حيث يضم الإقليم ثلاث محافظات هي بورسعيد والسويس والإسماعيلية، ويتوافر به امكانيات جذب في مجالات النقل واللوجستيات، والطاقة، والسياحة، والإتصالات وتكنولوجيا المعلومات والزراعة والعقارات

المصدر: خطوات

المزيد:

مخطط مشروع تنمية محور قناة السويس لعام 2013 

مخطط مشروع تنمية محور قناة السويس لعام 2014

فيديو مجسم مشروع تنمية محور قناة السويس

تدوينات مرتبطة:

تغطية: اطلس اقليم قناة السويس من المشروع الكارتوجرافى لعام 2011

تغطية: اطلس مشروع تطوير وتنمية منشية ناصر

تغطية: كتاب «ممر التنمية والتعمير» للدكتور فاروق الباز

تغطية: كتاب مشروع مدينة الـ900 كم نيل

تدوينات ذات صلة:

الدكتور محمود عاشور: مشروع توشكي مثمر بالتخطيط مع مشاريع أخري

بالخرائط: ألغاز شرق التفريعة !

تدوينات اخرى:

كتاب التنمية .. الجغرافيا دعامة التخطيط للدكتور صلاح الدين الشامى

كتاب الخريطة القومية المقترحة لجمهورية مصر العربية لسنة 2020 للدكتور عصمت أحمد عاشور

“التحليل الجغرافى لثورة 25 يناير” من محاضرات الدكتور صبرى حمد

a magdy blog

للاطلاع على التحليل الجغرافى لثورة 25 يناير 2011  بقلم الدكتور صبرى حمد ، فقط اضغط على المزيد

المصدر: خطوات

المزيد:

التحليل الجغرافى لثورة 25 يناير 2011

تدوينات مرتبطة:

مقدمة كتاب «دراسات فى جغرافية مصر» للدكتور صبرى حمد

مصر بين دكتاتورية النهر وديمقراطية الصحراء بقلم الدكتور صبرى حمد

تدوينات ذات صلة:

كتاب «ميدان التحرير ونهر الثورة» للدكتور فتحى مصيلحى

خرائط ثورة 25 يناير 2011

خرائط ذكري ثورة 25 يناير 2011

“الطريق إلى الحسينية وصولا لصناعة الكراهية” للدكتور عاطف معتمد

a magdy blog

كتاب “الشيعة في المشرق الإسلامي..تثوير المذهب وتفكيك الخريطة” للدكتور عاطف معتمد الصادر عام 2008 فيما يقارب المائتى صفحة يستعرض فى كتابه الفرق الشيعية فى المشرق الإسلامي بمنهج الجغرافيا السياسية ومستخدم أسلوبين ، الأول وهو الزيارات والدراسة الميدانية للعديد من دول المشرق ويتضح ذلك من خلالة مقاله الاول “الطريق إلى الحسينية” ، بينما الاسلوب الاخر هو الاعتماد على المصادر التاريخية الشيعية وما كتبه السنة والغربيون والروس عن الشيعة ويتضح ذلك فى مقاله الثانى “الجغرافيا وصناعة الكراهية ..نموذج السنة والشيعة” وصولا للرؤية الاستشراقية للمسألة الشيعية ورسم خريطة التوزيع الشيعى مقسمة الى خمس أقاليم ومصنفة حسب درجة الاستقرار والنزوح .. أحمد مجدي

المقال الاول: الطريق إلى الحسينية

هذه هي ليلة العاشر من محرم، الطريق إلى حسينية المنصورة في الأحساء يزداد تعرجا وظلمة، البكائيات التي تنبعث من مسجل السيارة التي أركبها تحمل مختارات من طقوس النياحة في ليلة العاشر لمنشدين لبنانيين وكويتيين. كان قائد السيارة، صديقي الشيعي، يزداد تأثرا وتمايلا كلما جاء دور المنشد العراقي، فيرفع من الصوت تارة لينشد معه، ثم يوقف المسجل تارة أخرى ليترجم لي ما لم أفهم من تلك اللهجة المليئة بالشجن، والمشحونة بعنفوان الصوت وحرارته.

تكاد السنوات الثلاث التي أمضيها في المنطقة الشرقية من السعودية تلفظ أنفاسها دون أن أتعلم سوى القليل. هذا المجتمع يكاد يغلق أبوابه أمام الغرباء، ويحول دون فهم مسالكه أو اكتشاف طقوسه. ليس على المرء هنا إلا ان يقف مكتوف الأيدي في طقس حار رطب تحاصره نوبات الغبار والأتربة فيطلق بصره متحسرا في الأفق، أو يحبس نفسه في غرفة مكيفة ليعيش مع عوالم متخيلة، بعضها مستلة من خزانة الذكريات، وبعضها يستمد من مشاهد تلفازية جامدة تصيب المرء بالعطب وتعجل بشيخوخته.

لو أنني عشت هذه السنين في موسكو لكان بائع الشاي على ناصية الشارع حدثني كل يوم عن الجديد، من خبايا علاقة الرئيس بحاشية قصره إلى عصابات المافيا وتجار البشر، ولو أنني أمضيت  هذه السنوات في مومباي لكان سائقو الريكشا أخبروني كل صباح بحكاية جديدة من حكايات المعابد والأديرة، وأمطروني بوابل طازج من فصول الكفاح والمعاناة. لو كنت في جازان أو صنعاء لسامرني صديقي ، وفمه مملوء بالقات، عن تفاصيل تلك الثنائية المشوقة بين السلاح والسلطة، والقبيلة والوطن.

يطمئنني صديقي الشيعي بأن هذا هو آخر منعطف سنقابله قبل الوصول إلى الحسينية، وأن الدرب الضيق المخترق لمزارع النخيل والممتد في مرمى البصر هو آخر ما سنقطع في تلك الرحلة التي يسكنني فيها التوتر ويزاحمني القلق.

ماذا لو عرف مدير الجامعة السلفية التي أعمل فيها؟ هل يجوز لأستاذ سني – أمنته الجامعة على فكر الطلاب وعقولهم! – أن يندس بين أقوام يمارسون “البدع” و”المحرمات” ويحل عليهم ضيفا في يوم “النياحة” المحرم شرعا؟ يالتلك الرغبة المُهلكة.

عند باب الحسينية يفاجئني صديقي مرتعدا بالاعتذار لأن بعضا من الرجال سيبادرون إلى تفتيشي، مبديا دهشته لأنها المرة الأولى التي تحدث في تاريخ بلدتهم، فقد جاءتهم ليلة أمس تعليمات أمنية – في ظل توالي التفجيرات في حسينيات العراق وباكستان- بأن يأخذوا حذرهم من أعمال انتقامية متوقعة في تلك الأيام العصيبة التي تتوارد فيها أخبار التطهير الطائفي الذي تمارسه بعض الجماعات الشيعية ضد السنة في بغداد. أي تشويق وإثارة أكثر من هذا؟ أي شفاء لغليل المعرفة أكثر من أن يرتعد المرء في كل خطوة يخطوها متوقعا أن يفقد ساقيه فوق قنبلة موقوتة، أو يفقد عمره في هجوم انتقامي مباغت يحول المجتمعين على نياحة الماضي إلى جثث طازجة؟

ساعدني الجلباب الخليجي وملامحي السمراء المشربة بالجدية أن أندس متماهيا بين ألف رجل اجتمعوا في الحسينية، لم تكن تفضحني سوى نظراتي التي تنهب المكان تلتقط صورا لكل الطقوس. وحدها صورة السيستاني، التي خلتها صورة الخميني ،  بقيت تطاردني من جدار إلى جدار.

على مدى ساعتين ونصف استمر المنشد على المنبر الحسيني يلهب مشاعر الحضور مستحضرا تلك المشاهد الدموية لمعركة كربلاء. كانت الطريقة المحترفة التي ينتزع بها المنشد الدموع من المقل والآهات من القلوب كفيلة بأن تجدد الحزن، وتعبئ الشيعة ضد أعدائهم على مر العصور. وكانت هذه الطريقة هي المسؤولة أيضا عن ذلك الهدير الجامح الذي يجمع  بين صراخ وعويل ولطم وضرب على الرؤوس. ومع كلمات المنشد واصفا كيف أثخن “أعداء الله” بجثث “أهل البيت” ومع استحضار أطياف المشاهد التي مر عليها نحو 1400 سنة  لم يكن أمام الألسن سوى أن تلهج بلعن جماعي : “اللهم العن أمة خذلتك، اللهم العن أمة قتلتك، اللهم العن أمة سمعت بذلك ورضيت به”.

غادرت الحسينية وأنا أتساءل: لو كنت شيعيا وعشت مع هذا الطقس بكل جوارحي، كما عاشه المئات من حولي، كيف سأصحو في اليوم التالي؟ وكيف سأنظر الى تلك “الأمة” الملعونة من حولي؟

أعود من الحسينية فانتقل من مدينة لأخرى لأجد الأجواء السياسية والاجتماعية في الخليج ملبدة بالتوتر، القنوات الفضائية الشيعية تعرض ليل نهار لمظاهر احتفالات عاشوراء حيث يضرب الشيعة صدورهم وظهورهم بالسلاسل، ويشقون رؤوسهم بالسيوف. لقد بات المناخ العالم يحمل عناوين “صعود الشيعة” و”الشيعة قادمون” و “عودة الحلم الصفوي” .

كان لابد للسلفيين من تحصين الداخل السني. ولأنه ليس للتعبئة الطائفية من سبيل إلى الإعلام المرئي أو المقروء في عالم ما بعد 11 سبتمبر، فقد تم الإعتماد على وسيلة “خمينية” تستخدم شرائط الكاسيت في “فضح” الشيعة.

انتشرت الشرائط في المجتمعات السنية في الخليج كالنار في الهشيم. المادة التي تحويها الشرائط اعدت بعناية وحرفية بحيث لا تترك للمستمع مجالا للتشكك في مصدرها، الأصوات والخطب لرجال دين شيعة إيرانين وعراقيين يخوضون في السيدة عائشة وفي شرف ورجولة الخليفة عمر بن الخطاب! على الانترنت كانت هناك نسخة “رقمية” من الشحن الطائفي تحوي مقاطع فيديو لشيوخ شيعة من الخليج يخوضون فيما خاض فيه  أبطال الكاسيت.

بعد أن استمعت إلى الشرائط وطالعت مقاطع الفيديو ورجعت إلى منتديات شيعية على الإنترنت يطالب روادها بالثورة لانتزاع البقاع المقدسة في مكة والمدينة من سلطة “الطغاة” وإرجاعها لورثة “أهل البيت” (في إيران او شيعة العراق) عدت لأسأل نفسي : هل بوسع السني بعد هذا سوى الكراهية؟

إذا جلست إلى صديق سلفي حذرك أن تأمن لشيعي، فالشيعي إن حدث كذب، وإن أقسم لك دلس عليك وخدعك. ويجاهد السلفي أن يُعلّمك  ـ وعليك أن تصغي لأنك مصري الثقافة لم تخالط الشيعة وتحمل إسلاما صوفيا مائعا! ـ  بأن هؤلاء القوم سبون الصحابة، ويلعنون أمهات المؤمنين، ويكيدون للإسلام والمسلمين على نحو ما يكيد اليهود والصليبيون.

وإذا أنست إلى صديق شيعي أكد لك أن “جماعته” ورثة أهل البيت وحذرك من أن تستمع إلى ذلك التشويه الذي يمارسه “إخوانه” السنة بحق مذهبه، وقدم لك سرديات ، مختلفة في التفاصيل متفقة في النتائج، تحمل قصص ذويه وأقاربه الذين صادفوا أشكالا مختلفة من التمييز من قبل “السنة”. وحين يأمن لك هذا الصديق يقدم لك نسخة مهربة من كتاب شيعي صدر في المنامة أو بيروت أو لاهور، ويأخذ عليك ميثاقا غليظا ألا تخبر أحدا به، لقد أتى به مخبئا في ثيابه حين عاد من سفره الأخير. فهذه الكتب، التي يحمل بعضها أفكارا “خمينية” تدعو للثورة ويحمل بعضها عقائد ومفاهيم شيعية ينعتها السلفيون بالبطلان والمروق، يعاقب عليها القانون كما يعاقب مهري المخدرات.

أحزم أمري قاطعا بأن أكتب بحثا عساه يكون نواة لكتاب عن التجربة والقراءة. وأجدني اكتشف أن هناك طريقتين لكي تدون بحثا عن الشيعة، الأولى أن تتورط بين مئات الكتب فستنطقها بما حملت وما لم تحمل، وتجاهد كي تجد توازنا بين ما سطره السنة عن الشيعة، وما كتبه الشيعة عن أنفسهم وعن غيرهم. وعلى رغم أن هذه المهمة قد تبدو سهلة في عصر المعرفة الذي اختزل كثيرا من مراحل وجهود البحث عن المصادر، فلم تعد تنهب ذلك الوقت الطويل، إلا أن لهذه الطريقة مخاطر شتى.

إذ ليس من رأى كمن سمع، وليس من لمس وعاش كمن قرأ وترجم وعادل النصوص. ولأن القضية فيها من الديني والسياسي الكثير فإن الحكمة القديمة القائلة “من كان شيخه الكتاب فاق غالطه الصواب” تتجلى في هذه الحالة بلا منازع.

وحتى إذا نجوت من أن تخطفك كتب الشيعة القديمة إلى مواقف متحفظة وناقدة ، وربما كارهة، على نحو ما تفعل معك بعض صفحات العمل الموسوعي الشهير “بحار الأنوار”، أو أن يأسرك خطاب التفاهم والمصالحة والتسامح الذي يعيد انتاجه اليوم علماء وشيوخ شيعة محدثون كالشيخ محمد حسين فضل الله في لبنان والشيخ حسن الصفار في السعودية، فإنك في نهاية الرحلة واقع في جمود القراءة الصامتة جسدا بلا روح. وحسبك أن تحسن هنا مشاهدة لوحة جيدة الرسم لنهر يقطع طريقه بين الصخور، لا أن تنزل ذلك النهر فتشرب من مائه أو تدمي أقدامك صخوره.

أما الطريقة الثانية فتكمن في أن تنزل النهر، فتعيش في المجتمع الشيعي وتلمس واقعه، وتربط بين مشاهد متفرقة لتصنع رؤية شبه جامعة. وبدلا من أن تقرأ عن الحسينية ودورها في بناء وبلورة هوية الشيعي، شق لنفسك مكانا بين زحام الحسينية، وتتطلع الى المنبر الحسيني واستمع إلى الخطب والمحاضرات، واستشعر البكائيات والنياحة والشجن. هون عليك، فستجد في نهاية اليوم مكانا على مائدة عامرة، تمد دوما في كل مناسبات الشيعة، أتراحهم وأفراحهم.

ستمنحك هذه الطريقة فرصة نادرة لأن تصلي في مساجد الشيعة لا أن تشاهد صورا لها، كل ما عليك في الركوع والسجود أن تهرب من رغبتك الجامحة في المعرفة وشوقك المتحرق في الاستكشاف. جاهد كي تخشع في صلاتك، وكيف تخشع في صلاتك والمصلون من حولك قلقون لأنك لا تسجد على تربة كربلائية مثلهم؟ وكيف تخشع وغالب إخوانك السنة سيعتبرون صلاتك في هذه المساجد “الضرار” باطلة!؟

ورغم ما في نزول النهر من فوائد لا تحصى، ومتعة لا تقدر، إلا انها محاطة بمحاذير عدة. فعليك في البداية التخلص من تلك العباءة الاستشراقية التي قد تتلبسك، فتنظر إلى الشيعة نظرة الرحالة الأوربي العجوز الذي تشغله رائحة البخور أكثر ما تشغله الفكرة والعبرة. أو أن تتقمص شخصية الضابط الأمريكي المتخفي في ثياب مدنية والمنشغل بتدوين الاسرار والخبايا ليقدمها إلى “صانع القرار” المتصيد لمواطن الفرقة ومواضع الشقاق بين السنة والشيعة.

وعليك أيضا ألا تضيع وقتا في إقناع من تقابل من الشيعة بدليل برائتك من تهمة التصيد وجمع الأسرار، ولا تنشغل بإقناع أولئك الشيعة أصحاب الابتسامات “الذكية” من انك لم تات إلى عقر دارهم بحثا عن “الحقيقة الضائعة” ورغبة في التشيع.

وحتى إذا نجوت من كل محاذير نزول النهر، فكن مستعدا لأن تلقى الاستخفاف بما أتيت،  فكل ما ستأتي به من هناك لن يعتد به، لأن جل ما شاهدت أعده الشيعة ورتبوه لك، وساقوه لك على “التقية” و”التجمل” و “الانتقائية”، وكل ما رأيت وسمعت لس إلا “حديث آحاد” ينطبق على شواذ القول لا على عمومه ورؤيته الشاملة.

ولأنني لا أعرف مخرجا ثالثا من هذه المحاذير، فقد زاوجت بين الطريقتين السابقتين، فاستعننت بما كتبه الشيعة والسنة والغربيون والروس، وعشت بين الشيعة الإثنى عشرية في الخليج، وقابلت عددا من البوهرة خلال رحلة ثرية إلى الهند، وخالطت شيعة العراق في المهجر في روسيا. غير أن كل ذلك لم يساعدني سوى في تكوين “فكرة عامة” ورسم “خريطة” أولية.

وقد شغلت نفسي في هذا الكتاب بـ”خريطة الشيعة في المشرق الإسلامي” أكثر ما شغلتها بالفَرق بين الفِرق أو الفصل بين الملل والنحل. ولأني أبحث في الجغرافيا السياسية فقد اعتنيت بالثورة والثروة والتعبئة الطائفية وعلاقة الأقلية بالأكثرية، تاركا تفاصيل العقائد والاختلاف بين المذاهب وغيرها من القضايا الفقهية لمن هو أقدر وأطول باعا.

يتألف هذا الكتاب من خمسة فصول ، يعتني الأول منها بتملس ما يمكن تسميته “القابلية للفتنة” أو “الاستعداد لإشعال الحريق” وهو فصل يقدم صورة إجمالية عن الأسباب التي وقفت خلف صعود الشيعة السياسي في ربع القرن الأخير.

يعالج الفصل الثاني صورة الشيعة في المشرق الإسلامي، تلك الصورة التي تشكلت في وعي الكثيرين من خلال ما كتبه المستشرقون عن الإسلام بصفة عامة وعن الشيعة على وجه الخصوص، فضلا عن رسم ملامح الصورة التي يقدمها التيار السلفي عن الشيعة في المشرق الإسلامي بما له من قوة نفوذ وسعة انتشار.

أما الفصل الثالث فيقترب من شيعة الخليج واليمن معتنيا بالتطورات التي حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة . ويلقي الفصل الرابع الضوء على أكثر مناطق الشيعة سخونة في لبنان وفلسطين وسوريا. بينما يطوف الفصل الخامس على بعض معالم الشيعة في الهند وباكستان مع إعطاء إشارات حول ما يمكن تسميته بالإسلام الشعبي في هذه المنطقة بالغة التنوع.

ولأن مراكز الأبحاث العربية والغربية قد أسهبت في تحليل التجربة العراقية والتورط الإيراني في بلاد الرافدين منذ سقوط بغداد في التاسع من أبريل عام 2003، وقدم في سبيل ذلك سيل منهمر من المقالات والدراسات والكتب، فقد خففت عن القارئ عرض هذه التجربة، وانتخبت منها فقط ما كان له دلالة وأثر على الجماعات الشيعة في المناطق محل البحث والدراسة في هذا الكتاب.

وأود لو قدمت صفحات طويلة من الشكر لكل من ساعدني وقدم لى الدعم النفسي وشد من أزرى خلال فترة إعداد هذا الكتاب.وأوجه الشكر لعدد كبير من الأصدقاء السلفيين والشيعة ( الأخوة الأعداء) الذين أخرجوا لي من خزانة كتبهم الممنوع منها والمسموح، وفتحوا لي قلوبهم وبيوتهم فأقمت إقامة صاحب البيت. وأشكر من استضافني من الباحثين والعلماء والشيوخ الشيعة والسلفيين، وعلمني كثيرا مما كنت أجهل.

 المقال الثانى: “الجغرافيا وصناعة الكراهية ..نموذج السنة والشيعة” 

رؤى استشراقية

بعيون صليبية

الفرس والعرب

قراءة يسارية وتحليل ماركسي

أقل الشياطين خطرا

رؤى سلفية

باطنية ورافضية

من السعودية إلى باكستان

التقريب بين الغاية والوسيلة

كيف تتم صناعة الكراهية؟ هناك سجل طويل من الأطر النظرية التي تشحن خلفها جماهير حاشدة لكراهية طائفة أو فرقة أو مذهب بعينه. في البحث التالي نتناول كيف ساهمت الرؤى الاستشراقية والسلفية في تكوين الصورة النمطية عن الشيعة في العالم العربي والمشرق الإسلامي.

ساهمت مجموعة من العوامل في تدعيم الصور الملتبسة بشأن الشيعة في المشرق الإسلامي. ولعل أهم مصادر هذا الالتباس ما روجه المستشرقون عبر التاريخ برؤى عقدية مسيحية أو ماركسية حين نالت الكتابات الغربية من الإسلام كدين، فرأته ممسوخا عن ديانات سابقة واعتبرت هذه الكتابات – التي امتزج فيها الاستعماري بالأكاديمي-  التشيع والتفرق في الإسلام دليلا على فساده وضعفه. وعلى الزاوية الأخرى يقف السلفيون بالمرصاد يكيلون للفكر الشيعي اللاذع من النقد، ويخرجون أغلب فرق الشيعة من جادة الإسلام ويضعون في عنقها مسؤولية التمزق والفت في عضد الوحدة الإسلامية.

رؤى استشراقية

بنيت أغلب الرؤى الاستشراقية حول الفرق الإسلامية على كثير من التعميم، وصيغت من تصورات فلسفية واستنتاجات فردية أكثر ما كانت ترجمة لخبرة حقيقية لمعايشة التشيع. فالوقوف على معلومات دقيقة حول الفكر الشيعي لم يكن ليتحقق سوى بالرجوع إلى النصوص الشيعية، وهو ما لم يتوفر لأغلب المستشرقين. ولم يبدأ الحصول على نسخ من الكتب الشيعية وترجمتها إلى اللغات الأوربية إلا في النصف الثاني من القرن 19.

وترى الدراسات الغربية في الموروث الشيعي حزمة تختلط فيها التفاسير القرآنية والتأويلات، والأساطير والمفاهيم الفلسفية والواجبات الدينية. وتحتل فكرة الإمامة مكانة هامة لدى هذه الدراسات، يبدو فيها الإمام “رجلا سماويا نورانيا” تتبلور حوله فكرة الولاية الباطنة لنبوة ظاهرة. وتصنع ثنائية موازية بين النبوة والولاية، وبين الظاهر والباطن، والتنزيل والتأويل. وتبحث مثل هذه الدراسات عن الأبعاد المانوية ( الصراع الكوني بين النور والظلمة و قوى الخير والشر) يمثل فيها الإمام ومريدوه النور بينما يمثل أعداؤه الظلم والظلمات.

لم تكن تهمة المانوية لتلصق بالشيعة وحدهم. ففي القرون الأول من ظهور الإسلام وجد الأوربيون في المسلمين طاعونا نزل على العالم المسيحي ناشرا الخراب أينما حل . ولم يكن المسلمون في نظرهم أكثر من شعوب وثنية أرسلها الرب لتعاقب وتمتحن المؤمنين. ولم يجدوا أية فروقات بين الهرطقة المانوية وبين ديانة محمد. ولأن المسيحيين يقدسون المسيح باعتباره بن الرب فقد كانت تصوراتهم عن المسلمين بشكل عام منطلقة من هذا الفهم ، إذ اعتبروا أن المسلمين يقدسون محمدا وتوقعوا أنهم جعلوا منه إلها وثنيا. وراجت مفاهيم – وبصفة خاصة خلال فترة السيطرة الإسلامية على إسبانيا – مفادها أن محمدا ربما كان قسا مسيحيا ارتد عن دينه، وربما كان كاردينالا قادته رغبته المحبطة في السلطة إلى السعي للانتقام من الكنيسة بنشر تعاليمه الخبيثة، وروجت هذه الكتابات إلى أن موته كان مزريا حيث افترسته الكلاب”.

وفي الوقت الذي يرفض فيه كثير من المسلمين ( سنة وشيعة) مناهج أغلب المستشرقين الطاعنة في الدين الإسلامي عقيدة وشريعة، يرفض الشيعة على وجه خاص كثير من الانتقادات التي وجهها المستشرقون إلى المذهب الشيعي بحجة أن اغلب هذه الانتقادات جاءت من ترجمة المصادر السنية حتى في أهم سند “شرعي” يعتمدون عليه وهو القول بأن الرسول (ص) قد نص على أن خليفته في المسلمين هو على بن أبي طالب في يوم غدير خم. فقد استبعد مارجليوث في كتاب “محمد وظهور الإسلام” (1905) هذه التوصية وبروكلمان في “تاريخ المسلمين” (1939) وكذلك المستشرق ذائع الصيت جولدتسهير الذي أورد رواية غدير خم بصياغة التشكيك.

بعيون صليبية

يمكن اعتبار القرن الثاني عشر الميلادي بداية المعرفة الغربية بالشيعة كتنظيم سياسي مع الحملات الصليبية زمن الدولة الفاطمية وتواتر الأخبار المشوقة عن فرقة الحشاشين وبعض من الأخبار عن شيعة سوريا وفلسطين، وهؤلاء لم يمتلكوا تلك الرائحة المثيرة التي امتلكها الحشاشون. وصاغ هؤلاء الكتاب المعلومات المحدودة التي توفرت لهم عن الشيعة بكثير من الخلط والتعميم. فقد نسب وليام الصوري – أهم مؤرخي الحملات الصليبية في القرن 12 – إلى الشيعة الاعتقاد بأن عليا هو نبي الإسلام الحقيقي، لولا أن الملاك جبريل اخطأ وأوصل الرسالة إلى محمد. وسار على نهج الصوري يعقوب دي فيتري Jacques de Vitry مطران عكا فيما بين 1216 و1228 والذي روج فيما كتب أن عليا كان نبيا مرموقا تكلم إليه الله كتقدير تمييزي عن النبي محمد. وبالمثل روج المنصر الشهير ريكولدو ديمونتو كروس Ricoldo da Monte Croce أن الشيعة يعتقدون بأن محمدا اغتصب حقوق علي. واعتبر ريكولدو أن اتباع علي يحتفظون بقدر من اللطف وانهم “أقل شيطنة minus mali   من الأغلبية السنية”.

لم تكن الحملات الصليبية مصدرا أساسيا لتصور الخلاف الشيعي السني فحسب ، بل كانت هذه الحملات مناسبة للسخرية والاستهزاء بنبي الإسلام في مقابل تقدير المحارب الجسور صلاح الدين الأيوبي، الذي أصبح يصور في صور شعبية وملاحم شعرية كثيرة في أوربا العصور الوسطى كفارس وإنساني وعادل وحكيم. وإن حاولت بعض المصادر المسيحية نزع عقيدة الإسلام عنه فروجت أن أمه مسيحية وأنه تحول إلى المسيحية على فراش الموت. وبينما وضع دانتي ( 1263-1321) النبي محمدا في إحدى أسوأ درجات الجحيم وذلك في مؤلفه الذي يحمل عنوان “الجحيم Inferno ” جعل صلاح الدين في درجات النعيم مع كل من بن سينا وبن رشد وكل من سقراط وأرسطو وأفلاطون”.

وقد اعتبر بعض الدارسين الغربيين الأفكار الشيعية
( وبالأحرى الفرق المهرطقة المحسوبة على الشيعة) انتحالا للأفكار الوثنية الإغريقية والفارسية القديمة، بل اعتبروا أن المكانة المقدسة للخمر لدى فرقة النصيرية (العلوية) دليلا على محاكاة المسيحية، وأن عليا بن أبي طالب لديهم هو مسيح الإسلام. كما كان احتفال النصيرية بالأعياد المسيحية مثل عيد الميلاد وعيد الغطاس والفصح وتقدير بعض القديسين المسيحيين تأكيدا لبعض المستشرقين والمنصرين بأن الفرق الشيعية ( أو المحسوبة على الشيعة) انتحلت أفكارا كثيرة من المسيحية، أو أنها ليست أكثر من طائفة مسيحية متنكرة بأقنعة شيعية. ولم تكن لدى كثير من المستشرقين القدرة على تصنيف بعض الفرق بشكل قاطع. من ذلك ما ذكره أحد الرحالة في عام 1697 بشأن فرقة النصيرية حين سأله أحدهم هل هؤلاء مسلمين؟ فأجاب ” إنه لسؤال صعب، بوسعنا فقط أن ننفي تشابههم مع بقية العقائد، إذ هم ليسوا مسلمين، وليسوا مسيحيين، وليسوا دروزا، وليسوا يهودا، كما أنهم بالتأكيد ليسوا زرادشة. وإذ قابل هؤلاء القوم سنيا اقسموا له أنهم مسلمون يصلون مثله ويصومون ، وإذا دخلوا مسجدا صلوا كما يصلي الناس وإذا خلوا إلى أنفسهم يتمتمون بلعن أبي بكر وعمر، إنهم يقولون إن الكتمان جهادنا”.

لقد كان علي بن أبي طالب أكثر الشخصيات الرمزية التي جذبت الدارسين الغربيين، ونظروا إليه ليس فقط باعتباره مؤسس المذهب الشيعي، بل وكشخصية حكيمة وسياسية وقائد بارز في الإسلام، وانتشرت في عدة دول أوربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر حكم ومقولات علي بن أبى طالب وتأثر بها بعض الحكام والأمراء في أوربا. كما قدم جوزيف آرثر – الذي خدم كدبلوماسي فرنسي في طهران فيما بين 1855 و1858 – معلومات جديدة للغرب ليس فقط عن الانشقاق السني الشيعي بل عن الاتجاهين الرئيسيين بين علماء فارس: الإخباريين Akhbaris والمجتهدين Mujtahids (النقل والعقل) وهي فروقات أرجعها لأسباب اجتماعية قبل أن تكون دينية. وأشار جوبينيو إلى أن الملالي الفرس حاولوا من خلال التشيع الاحتفاظ بدور القديسين في الديانات الفارسية القديمة حتى لا يفقدوا امتيازاتهم. وقد رأي جوبينيو في هؤلاء الملالي الورثة الشرعيين لكهنة الزرادشتية، وأن كافة المنظومة الشيعية ليست سوى تلفيقا جيد التنظيم لاستعادة نفوذهم، وشكلا من أشكال الاعتراض المبطن على الغزو العربي لأراضيهم.

وقد انتقلت هذه الفكرة إلى روسيا وعبر عنها بعض علماء الجغرافيا السياسية. على غرار ما يقوله جادجييف من أن ” إيران حافظت دوماً على تميزها القومي فى علاقاتها بالشعوب المجاورة حين اتخذت من الديانة الزرادشتية وسيلة للتميز القومى، ثم حين دخلت في الإسلام عالجت لنفسها نسخة مميزة من الإسلام باعتناقها المذهب الشيعى”.

الفرس والعرب

لم يكن جوبينو الوحيد الذي يقع في محظور التعميم عن الإسلام الشيعي. فقد كتب الفريد فون كريمر في عام 1868 عن “التعصب المفرط للشيعة وعدم تحملهم لغيرهم من أتباع الطائفة المحمدية”. وعلى النقيض كتب المستشرق الفرنسي كارا دي فو بعد ثلاثين سنة من ذلك التاريخ أن الشيعة “لديهم تفكير ليبرالي حر” ويكافحون في مواجهة العقلية السنية المتحجرة ضيقة الأفق. وأن العزلة التي يعيشها الشيعة تنبع من خوفهم من الاحتكاك بالآخر نتيجة نجاسته. وبالمثل اعتبر جولدتسهير – صاحب كتاب العقيدة والشريعة الإسلامية- حرص الشيعة على عدم الاحتكاك بالآخر المختلف دينا وعقيدة خوفا من نجاسته بمثابة استمرار للتقاليد الزرادشتية واليهودية.

 كما وضع الدبلوماسي البريطاني جيمس مورير James Morier معلوماته عن فارس من خلال مراقبته للمجتمع الفارسي إبان فترة عمله وترك أثارا أدبية مفيدة. وكانت أكثر أعماله الأدبية أهمية رواية “حجي علي بابا الأصفهاني” والتي نشرها في عام 1824 وقدمت صورة “كاريكاتورية” عن المجتمع  الفارسي وعلماء قم تهكم فيها مورير على الحالة الدينية بقوله ” في كل مكان تمر فيه يقابلك رجل دين يدعي أنه من نسل الرسول”.

وفي سبيل تدعيم مكانتها الاستعمارية في الهند، قام رجال الإدارة البريطانية في كلكتا بنشر كتاب “شريعة محمد” في 1805. وجاء من مصادر شهيرة للشيعة الإثنى عشرية وأهم ما اعتمد عليه هذا العمل كتاب “تحرير الأحكام وإرشاد الأذهان” للقاضي الشهير في القرن الرابع عشر الميلادي  بن المطهر الحلي. وقام باختيار هذه النصوص الضابط الإنجليزي جون بيلي John Baillie  الأستاذ في الشريعة الإسلامية واللغة العربية والفارسية، وقد سعى بيلي إلى نشر عدد أوسع من الأسس الشرعية للشيعة الإمامية. وفيما بعد نشرت دراسات مقارنة بين الشريعة لدى المذهب الحنفي والإثنى عشري. ولم يكن الأخير سوى مختارات من كتاب “تحرير الأحكام ”  المتعلقة بأمور الزواج والطلاق والرق والهبات والعطايا والوقف والميراث. كما تمت ترجمة كتاب “حياة القلوب” من الفارسية إلى الإنجليزية وهو كتاب يعتني بسيرة الرسول كتبه محمد باقر المجلسي. ومن أهم الكتب التي نقلت إلى الغرب في تلك الفترة كتاب “بحار الأنوار” وهو عمل شيعي تقليدي يعتبر أبرز الأعمال الدينية التي أنتجت خلال فترة الحكم الصفوي ومؤلف من 16 جزءا. كما نقلت بعض المعلومات عن كتب الشيعة الفارسية وبصفة خاصة أعمال مثل “معراج السعادة” و”قصص الأنبياء”.

لمس جولدتسهير قضية التقية لدى الشيعة من خلال مقابلته مع جمال الدين الأفغاني. كان الأفغاني لدى جولدتسهير شيعيا إيرانيا أخفى أصوله وادعى أنه أفغاني سني لكي يؤثر على العالم الإسلامي الأوسع، كان الأفغاني لدى جولدتسهير محرضا وداعية محترفا. وبينما أعجب جولدتسهير بتقية الأفغاني مدح المستشرق رينان في الأفغاني تحرره من تحيزات الإسلام لأنه ينتمي إلى تلك العروق الفارسية ذات الروح الآرية الخلاّقة وإن تدثرت بلباس إسلامي سطحي. وبالتالي فقد اعتبر رينان الأفغاني “أفضل مثال يثبت تلك البديهية العظيمة القائلة بأن قيمة الدين تتحدد بقيمة الأعراق التي تعتنقه . ومن ثم فإن الأفغاني هو “أنقى حالة يمكن أن نستشهد بها للاحتجاج الفارسي على الغزو العربي” .

قراءة يسارية وتحليل ماركسي

وفي مطلع القرن العشرين اتجهت الدراسات الاستشراقية الغربية نحو التوجهات الفلسفية والروحية في الفكر الشيعي وربط بعضهم – مثل المستشرق لويس ماسينون Louis Massignon- بين السيدة مريم العذراء والسيدة فاطمة الزهراء، وقابل بين صلب المسيح واستشهاد الحسين. ومن هذه الزاوية نظر إلى طقوس عاشوراء كامتداد لطقوس فارسية قديمة كانت تتباكى على “سيافيتش” الشهيد في الملحمة الفارسية القديمة. وحظيت احتفالات عاشوراء في العقد الأول من القرن العشرين باهتمام ملحوظ. وقدمت بعض الدراسات الألمانية عن الشيعة الزيدية والإمامية. وتطورت الدراسات الغربية حول الشيعة بشكل جيد التنظيم مع ستينيات القرن العشرين حين نشرت العديد من الكتب الشيعية.  وعلى الرغم من أن التقدم كان بطيئا في العقد التالي إلا أن الدراسات الخاصة بالشيعة اكتسبت قوة دافعة مع نشوب الثورة الإيرانية في نهاية سبعينيات القرن العشرين.

ونجحت ترجمة أعمال المفكر الإيراني علي شريعتي في توضيح بعض الأفكار المهمة والتعرف على المنهج الساخر الذي اتبعه شريعتي للهجوم على ركود الفكر الشيعي في إيران الشاه، وبصفة خاصة في كتابيه “دين ضد الدين” و”التشيع العلوي والتشيع الصفوي”. وقد حمل شريعتي للقراء في الغرب ( وكذا في المشرق العربي) مفاهيم لم تكن مطروقة على شاكلة “التشيع الأحمر” مقابل “التشيع الأسود” مفرقا بين “تشيع علي” و “تشيع الدولة الصفوية” وقد اكتسبت أفكار شريعتي أهميتها من استشرافها للثورة الإسلامية في إيران حينما عمل على ترويج مفهوم “تغيير المجتمع لا إصلاحه” بل يصنفه بعض الدارسين أحد مفجرات هذه الثورة واحد ممن أحسنوا تشخيص دور الطليعة المثقفة وعلماء الدين في إصلاح المجتمع بعد تشخيص أمراضه .

كانت كتابات شريعتي بالغة الأثر وافتتن البعض فيها بأدبيات الاستشهاد والتمرد التي بلورها شريعتي في نصوصه الجميلة حول التجربة الحسينية، وفي استخدامه البارع لرموز التراث الشيعي في اتجاه قراءة يسارية لما سماه بالتشيع العلوي (تشيع الفقراء والثوار) في مقابل التشيع الصفوي (تشيع المستكبرين والمستبدين). ومن ثم فقد ألهمت أفكار شريعتي قطاعا واسعا من اليسار العربي، كما ألهمت اليسار الإيراني نفسه.

ومنذ منتصف القرن الـ20 بدأ المفكر البريطاني اليهودي الأصل برنارد لويس دراساته الجادة عن الفرق الشيعية وبصفة خاصة في كتابيه “الإسماعيلية” و”الحشاشون”. وفي غضون عقدين من اشتغاله بهذه المهمة انتقل لويس إلى زاوية المراجعة النقدية للصورة النمطية الموروثة عن الشيعة والتشيع التي أرستها ترجمات وملاحظات القرون الماضية. وينتقد لويس ما يقوم به بعض الباحثين الغربيين من استخدام مفهوم الأرثوذكس والهيترودوكس Heterodox (الهرطقة) على الفرق الإسلامية، فثنائية الأرثوذكية/ الهرطقة مفهوم مسيحي  لا علاقة له بتاريخ الإسلام الذي لم يعرف كنائس أو مجالس كنسية، كما يرفض لويس مقارنة السنة والشيعة بمنظار مسيحي ضمن ثنائية الكاثوليكي/ البروتستانتي، وذلك لأنه ليس في قدرة أحد من الباحثين الغربيين تحديد من الكاثوليكي ومن البروتستانتي في الإسلام.

ينتقد لويس ما قام به الدارسون الغربيون في النصف الأول من القرن العشرين ( بمنهج أوربي قلق من النزعات القومية والعرقية) من رؤية الفرق بين الطائفتين تمثيلا للسامية والآرية. فالسنة وفق هذه الرؤية يمثلون سامية الإسلام العربي، بينما يمثل الشيعة آرية إيران الصاعدة اعتراضا على الهيمنة. وفي العصر الذي كانت أوربا تنتابها هواجس الصراع الطبقي والحرب الأيديولوجية بين الطبقات، نظر إلى الشيعة كممثلين للجماهير المقهورة، بينما كان السنة مثالا للمؤسسات البرجوازية. ويقر لويس أن مثل هذه المقاربات أقرب للخطأ منها للصواب فإسقاط التجربة الماركسية على تاريخ نشوء الفرق في الإسلام جد خاطئ. ففي كل زمن كانت هناك أفكارا بالغة التباين يصعب معها إطلاق التعميمات.

ويسخر لويس من استشهاد بعض الدارسين الغربيين بخطب الخميني ومنها قوله ”  لقد عاش السنة طوال تاريخهم خانعين خنوع التصوف للسلطة أيا كانت طبيعتها الشيطانية، بينما مثل الشيعة المقاومة والاعتراض، سعيا وراء التخلص من الحكم الطاغوتي المخالف للشرع”. ويرى لويس في هذا تبسيطا مخلا للأشياء، فالخانعون والثائرون كانوا على كلا الجانبين. بل إن الشيعة يضربون مثلا بليغا في الخضوع والانصياع من خلال مبدأ التقية، الذي يجعل المرء يدعي عقيدة غير عقيدته طالما كان في ذلك مصلحة لبقائه.

وحينما هددت الشيوعية الغرب بالتوسع في العالم الإسلامي وطُلب من لويس البحث عن موقف الإسلام من الشيوعية، وجد بينهما عوامل مشتركة ( وإن اعتبرها عارضة). فالشيوعية “المصمتة” تشبه الإسلام “المصمت” والإسلام كالشيوعية تجمعهما الكراهية المتنامية للقوة والامتياز الذي يتمتع به الغرب، كما يجمعهما الفقر المذل الذي تعيشه الجماهير. وعاد لويس إلى نصوص إسلامية من القرون الوسطى تطلب من المسلمين “الطاعة الكاملة والدائمة لولي الأمر بمقتضى الشريعة المقدسة” ومن ثم فقد اعتبر أن ” مجتمعا ربي علي هذه التعاليم لن يصدمه الاستخفاف الشيوعي بالحرية السياسية أو حقوق الإنسان” بل ربما يجذبه نظام يقدم قوة لا ترحم وفعالية في خدمة القضية.  كما وجد لويس عوامل تشابه بين مفكري الشيوعية وعلماء الإسلام فالطرفان “يدعوان لمذهب شمولي له إجابة كاملة ونهائية على كل الأسئلة في الدنيا والآخرة، وكلاهما يقدم لأتباعه إحساسا بالانتماء إلى رسالة، فالإسلام مثل الشيوعية جماعي بدوره”. النتيجة المهمة أن الإسلام يشجع على الخضوع للسلطة بينما روح المقاومة للطغيان والحكم الفاسد متأصلة في القيم العميقة للحضارة الغربية”.

ولأن لويس يجمع بين الشيء ونقيضه في تحليله من فترة لأخرى ، نجده في موضع آخر يرى أن الإسلام كان في حد ذاته ثورة. فقد قام ثائرا على النظم القائمة بالفعل في مكة. فأقام في زمن وجيز نظما اجتماعية وسياسية جديدة . لقد بدأ الرسول محمد حياته في مكة كزعيم معارض ومشارك لبعض الوقت في كفاح مضاد لشعبه ونظم حكمهم. وحين لم يتمكن من تنفيذ هدفه ترك مسقط رأسه متجها إلى مكان جديد ليشكل – يمضي لويس- ما نسميه اليوم “حكومة المنفي”. ومن هناك استجمع القوى حتى تمكن من العودة و”قلب” نظام الحكم في مكة عنوة.

وبما أن المسلمين ينظرون إلى الرسول باعتباره القدوة والأسوة الحسنة فإن نمط مقاومته صار نموذجا يحتذى للحركات المعارضة في العالم الإسلامي المتحدية للنظام القائم وتسعى إلى الانقلاب عليه. هكذا كان العباسيون الذين ذهبوا شرقا إلى خرسان ثم عادوا إلى المركز ، والفاطميون الذين ذهبوا إلى شمال إفريقيا وعادوا إلى المركز، والخميني الذي أسس خرسانيته في “نوفل لوتشاتى”  Neauphle-le-Chateau وعاد إلى قم. وهناك حالات أخرى عديدة على مدار قرون التاريخ الإسلامي، وقد نجح البعض وفشل كثيرون. كما أن الفتوحات الإسلامية ، بمفهوم لويس ، ليست إلا قلبا لنظم الحكم في البلاد التي غزاها المسلمون.

من زاوية أخرى تركت المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني رائحتها في بعض القراءات التي وصلت إلى الغرب، حين حاولت بعض الأقلام اللبنانية في الدوريات الفرنسية إقناع القارئ أن الفلسطيني هو “حسين” هذا الزمان يلقى التعذيب والقتل على يد “يزيد” الإسرائيلي الذي “اغتصب” أرضه وأخضعه لحكمه الظالم..

ثم انتقلت الدراسات الغربية في الفترة التي تلت الثورة الإيرانية من نظريات التأصيل الفلسفي إلى تطبيقات الجغرافيا السياسية للأقليات الشيعية. وكان شيعة الأحساء والقطيف في السعودية وشيعة البحرين والكويت وشيعة لبنان النماذج الأكثر أهمية في هذه الدراسات، ليس فقط لتفحص إمكانية نجاح النموذج الثوري الإيراني في هذه المناطق، بل لجمع معلومات بالغة التفصيل عن حياة المجتمع الشيعي، بدءا من طموحات الحصول على فرص متكافئة في العمل والمشاركة السياسية وصولا إلى خبايا الدور السياسي والديني للحسينيات وتوجهات علماء الدين الشيعة وارتباطهم الملتبس بالمرجعيات الإيرانية والعراقية. وانتهز بعض من هذه الدراسات الظرف السياسي لإحياء معلومات تاريخية، كدراسة جون كول حول الشيعة كأقلية عثمانية، التي قدمت مراجعة موسوعية لأوضاع الشيعة خلال التناحر الصفوي العثماني وأثره على تأجيج الكراهية المتبادلة بين أبناء المذهبين التي جعلت الشيعة والسنة في العراق والخليج ضحايا غُرر بهم خلال الصدام السياسي بين القوتين الإقليميتين.

ويمكن اعتبار فترة دراسة الأقليات الشيعية في الصراع الأوربي العثماني المسؤول الأول عن انتشار كثير من المفاهيم الخاصة بالأقليات والاضطهاد، خاصة أن تلك الفترة شهدت إذعان الخلافة العثمانية للضغط الأوربي وقبول التدخل الغربي لحماية الأقليات المسيحية.

أقل الشياطين خطرا

بعد سقوط بغداد أمام الغزو الأنجلو أمريكي في أبريل 2003 احتل والي نصر، الباحث الأميركي المهاجر من إيران، مكانة كبيرة على الساحة الإعلامية. وقد تمكن نصر من تقديم سلسلة من الدراسات عن الآثار الإقليمية لسقوط النظام السني في العراق وأثر تحول العراق إلى أول دولة شيعية في العالم العربي المعاصر، وما لذلك من إلهاب المشاعر السياسية والمذهبية في دول الجوار.

كرر نصر قبيل غزو العراق الإشارة إلى أن الغرب قد اكتشف أن حركات الإسلام السياسي الشيعية مثلت الخطر الأكبر على الغرب لولا الخدمة الجليلة التي قدمتها أحداث سبتمبر2001 وصرفت الأنظار نحو “الشياطين” الأكثر خطرا من السلفيين. وبعد سقوط بغداد توقع نصر  اختلال خريطة المنطقة بشكل درامي وهو ما لم يتحقق، فلم يقم التحالف السني المصري- السعودي -الأردني في مواجهة التحالف الإيراني –العراقي –السوري – اللبناني (حزب الله) وإنما اتخذ أشكالا أقل أهمية وأكثر تواضعا.

 واستمرت نفس النظرة الغربية التي رأت الشيعة في القوس الممتد من باكستان إلى لبنان ومن أهوار جنوب العراق إلى الغيتوهات في كاراتشي جماعات من المضطهدين والمهمشين على يد الحكم السني لولا الدور الذي لعبته طهران في استقبال مواليد شيعة جدد مثل حركة أمل وحزب الله في لبنان وحزب الدعوة الإسلامية في العراق وحزب الوحدة في أفغانستان والحركة الجعفرية Tahrik-i Jafaria في باكستان.

وقد فتح الإنترنت مجالا إعلاميا لا ند له في إطلال الشيعة على تغيير الرؤية الموروثة عن موقف المستشرقين منهم. وبوسعنا اليوم أن نعثر على عشرات المواقع على الإنترنت تنافح فيها عن “مذهب أهل البيت” باعتباره المذهب “الوحيد” الذي حفظ رابطة الهداية بين الله والخلق ، والمذهب “الوحيد” الذي آمن بختم نبوة محمد (ص) وآمن في الوقت نفسه بالولاية فحافظ على الدين حيا إلى الأبد”.

وقد تبدو خريطة الاستشراق الاستعمارية مسؤولة عن قناعات معينة لبعض المفكرين الغرب تجاه التشيع. فقد رأى  فرانسو توبال في التشيع نزعة رومانسية وميلا لليأس والانتظار المهدوي الموعود. وأن الفكر الشيعي أقرب إلى الشيوعية العالمية. فالأقلية الشيعية تقاتل من أجل خلاص العالم من الظلم والاستبداد على نحو ما تناضل حركة البروليتاريا لتحرير البشرية جمعاء. ويرفض بعض الكتاب الشيعة هذه الرؤية باعتبار  أن الفكر الشيعي ما زال مجهولاً في فرنسا، لأن الإسلام الذي عرفته فرنسا من خلال مستعمراتها هو الإسلام السني الرائج في المغرب العربي والشرق الأوسط، خلاف الإسلام الشيعي الذي عرفته المستعمرات الأنجلوساكسونية. ويتغاضى هذا الرفض الشيعي عن تاريخ الخبرة الفرنسية مع شيعة المشرق العربي وبصفة خاصة في سوريا ولبنان.

وفي العقود الأخيرة التي برز فيها التركيز على الأقليات المذهبية في العالم العربي ركزت بعض الدراسات الغربية على الشيعة كأقلية منسية. وقد حظيت هذه الدراسات باهتمام خاص نظرا لأن مقدميها شغلوا مناصب بالغة الأهمية في الإدارة الأمريكية مثل جرهام فوللر من وكالة CIA  الذي أكد أن الشيعة وقعوا ضحية التمييز نتيجة سقوطهم في موقفين متناقضين، فداخليا اضطهدهم الحكام السنة وخارجيا نظر إليهم الغرب كخاطفين وإرهابيين ، قديما في صورة الحشاشين و حديثا في صورة مقاتلي حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

من زاوية أخرى التفت البعض إلى كيفية التلاعب بحقوق الشيعة والتغاضي عن إبادتهم طالما كان ذلك سيحقق مصالح تكتيكية للغرب. فقد كان بوسع الولايات المتحدة أن تقضي على صدام بعد إخراجه من الكويت كما كان بمقدورها تسليح الشيعة بدلا من تركهم يلقون الموت والتدمير على أيدي القوات العراقية. وعبر بعض الكتاب بطريقة ساخرة عن موقف الغرب تجاه المذابح التي قام بها نظام صدام حسين في العراق تجاه الكرد والشيعة. فالكرد على نحو ما يصور تشومسكي ” أصحاب بشرة بيضاء وأصول آرية ومن ثم لقوا التعاطف والتغطية الإعلامية والوعود والمساعدات المالية في مقابل إهمال متعمد للشيعة ذوي البشرة الداكنة والأصول العربية، وذلك حين كان السكوت عن جرائم صدام ضد الشيعة مفيدا آنذاك لأغراض جيوسياسية حتى لا تتفكك العراق أمام إيران.

لقد ساهم صعود الشيعة في العراق في ظهور مصطلحات تلقفها المجتمع المسلم بنفس درجة تلقف المجتمع الغربي للمفاهيم الاستشراقية. فقد ترسخت مصطلحات ترى في الشيعة “صفويين جدد” و “طابورا خامسا” لإيران  في العالم العربي. وكانت مثل هذه المصطلحات كفيلة بإظهار الشيعة أقل عروبة وأضعف إسلاما، رغم دفاع الشيعة عن أنفسهم باعتبارهم ليسوا أقل وطنية من بقية المسلمين. فقد حاربوا ببسالة في العراق ضد الإيرانيين الشيعة أمثالهم ، كما تصدوا في الكويت للغزو العراقي. كما أن مواقف حزب الله في الجنوب اللبناني في مواجهة إسرائيل وتحقيق نصر تاريخي بإجبار إسرائيل على الانسحاب تحت تهديد الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية في شمال فلسطين لا يحتاج إلى دليل على الدور الشيعي في حماية الأوطان.

ومع صعود حزب الله في لبنان منذ تحرير الجنوب في عام 2000 بدا المذهب الشيعي مليئا بثقافة المقاومة, ترى في دم الحسين “فداء للإسلام”. ومن هذا المنطلق لجأ زعماء حزب الله في الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006 إلى مخاطبة الإسرائيليين بقولهم ” إنكم تقاتلون أبناء الحسين وعلي”.

رؤى سلفية

 يعتبر بعض الكتاب الشيعة أن الموقف السلبي تجاه مذهبهم قد مر بداية عبر الفقه الحنبلي القائم في نظرهم على النقل لا على العقل. ومن ثم فإن الحنابلة لدى الشيعة كالحشوية والأشاعرة يعتقدون أن العقل قد يوافق الشرع وقد يخالفه، وبالأحرى فإنهم لا يرون للعقل كاشفية ولا حجية. ويعتقد فقهاء الشيعة أن موقف الحنابلة ليس أكثر من رد فعل متطرف لغلو المعتزلة في الاستناد على الأدلة العقلية. وكما أجبر المعتزلة الناس على اعتناق فكرهم في عهد المأمون والمعتصم والواثق استهدفوا أهل الحديث وضيقوا عليهم فما كان من هؤلاء إلا أن اتخذوا موقفا سلبيا وصاروا حرفيين يعلون من شأن النقل ويصرون عليه.

 ويرمي كل من الصوفية والشيعة التيار السلفي المتبع لمذهب أحمد بن حنبل بـ”المجسمة” أي الذين يقولون بأن لله صفات جسمانية كصفات عباده من البشر. ويتبرأ السلفية من هذه التهم في كل مناسبة. وهناك من كتب السلفية التي استهدفت الأفكار الشيعية بالنقد والقدح ما لا يحصى. وإن كان أقدمها شهرة ما ألفه أبو حامد الغزالي ( ت. 505 هجرية). وأكثرها مرجعية ما كتبه بن تيمية  (661-728 هـ) وأعاد إنتاجه محمد بن عبد الوهاب بعد أكثر من خمسة قرون. واستمر علماء السلفية يسيرون على نهج بن تيمية بشكل متقطع حتى شهد النصف الثاني من القرن العشرين (ومع تمدد المد السلفي في المشرق الإسلامي) دعما جديدا بظهور كتابات جيل جديد من المهاجمين للفكر الشيعي كان في مقدمتهم إحسان إلهي ظهيرالعالم السلفي الباكستاني الذي اكمل ما كان محب الدين الخطيب قد بدأه من هجوم منظم على الفكر الشيعي في منتصف القرن العشرين.

 باطنية ورافضية

 تنطلق مواقف المدرسة السلفية من رؤية الشيعة (باستثناء الزيدية) فرقا محتالة بنيت عقائدها على التشكيك والتدليس والتلبيس والخلع والسلخ وتروج لمذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، ويوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة، ولكن مقتا لأهل الإسلام وبغيا عليهم

 ويضرب علماء السلفية بأهم عقائد الشيعة عرض الحائط وفي مقدمتها حاجة الأمة لإمام معصوم، فليست الإمامة لدى السلفيين مطلبا من مطالب الدين، وليس من الإسلام في شيء الاعتقاد أن أئمة الشيعة يعلمون الغيب، فهذا لديهم شرك بالله

 يتفق السلفيون على تسمية الشيعة بالباطنية والرافضة. والرافضة تعني في الأصل التاريخي أولئك الذين رفضوا موقف زيد بن علي بن الحسين حين ترضى عن الصحابة. ويحمل المصطلح في الدلالة الشعبوية مفهوما عكسيا لأصله، إذ يشيع بين أهل السنة بمعنى المرفوضين من السنة، أو الرافضين للانضمام لمسيرة أهل السنة والجماعة، أو الرافضين لخلافة الصحابة. بينما يحمل المصطلح في دلالاته لدى الشيعة مفهوما مغايرا يوافقون فيه السنة بالقول أنهم رافضة، لكن “رافضة للاستعباد والتهميش، ورافضة للتفريط في ولاية أهل البيت، ورافضة لكل تهم المروق.

 ويشن السلفيون هجوما منظما متذرعا بدلائل تاريخية وفقهية على مشابهة الشيعة لليهود . فكما اعتقد اليهود في أن المُلك في آل داود قالت الرافضة بأن الملك في ولد علي. وكما قالت اليهود أنه لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سيف من السماء قالت الرافضة : لا جهاد حتى يخرج المهدي. وكما أن اليهود حرفوا التوراة حرف الرافضة القرآن. والرافضة لدى السلفيين كاليهود يستحلون دماء المسلمين. والرافضة كاليهود يستعملون التقية ويظهرون خلاف ما يبطنون من العداوة للمسلمين. بل إن اليهود والنصارى لدى بن تيمية أفضل من الرافضة لأنه “حين سئلت اليهود من خير أهل ملتكم قالوا : أصحاب موسى، وحين سئلت النصارى قالوا حواريّ عيسى. وحين سئلت الرافضة من شر أهل ملتكم قالوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم ، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة”.

 ويجمع علماء السلفية عبر العصور مهاجمة الشيعة لإقامة المآتم الشيعية والنياحة على من قتل من سنين عديدة. ويقول بن تيمية “لقد قتل من الأنبياء وغير الأنبياء ظلما من هو أفضل من الحسين. وقد قتل أبوه علي وهو أفضل منه وقتل عثمان بن عفان وكان قتله أول الفتن وترتب عليه من الشر والفساد أضعاف ما ترتب على قتل الحسين، ولم يفعل أحد من المسلمين أو غيرهم مأتما ولا نياحة على نحو ما فعل الشيعة. والخوارج لدى المدرسة السلفية أقل خطرا من الشيعة لأن الخوارج أتت بدعتهم عن “جهل وضلال” بينما أتت دعوة الرافضة عن “زندقة والحاد” وتعمد الكذب. وبينما يمنح بن تيمية فرقة النصيرية (العلوية) صفة الفرقة “الغالية” يعتبر الإسماعيلية “ملاحدة”. ويحذر السلفيون أتباعهم الصلاة خلف الشيعة لأنهم شر الناس في النقل والعقل بل هم أهل أهواء وفجور. ومن الواجب على المسلم لدى بن تيمية ترك عيادتهم وتشييع جنائزهم.

 واعتبر محمد بن عبد الوهاب أن أفكار ومعتقدات الشيعة كانت مادة غنية للملاحدة للهجوم على الإسلام. ويتفق جل علماء السلفية أن أكبر صدع يشق الشيعة عن أهل السنة والجماعة قولهم بتحريف القرآن. وأكد محمد بن عبد الوهاب أن من اعتقد عدم صحة حفظ القرآن من الإسقاط واعتقد ما ليس منه فقد كفر. كما قارن محمد بن عبد الوهاب الرافضة بالمجوس وافترض أنهم يقولون بوجود إلهين ( النور والظلمة) وأن الرافضة كالمجوس ينكحون المحارم، ويؤمنون كالمجوس بالتناسخ .

 من السعودية إلى باكستان

 وقد جاءت كثير من مواقف السلفية رد فعل على استقواء الدعوة الشيعية. فالغزالي بني هجومه بعد استفحال الدعوة الفاطمية في المشرق الإسلامي، وبن تيمية قدم عمله الموسوعي في الهجوم بعد انتشار كتب الشيعة كمراجع علمية للحكام فيما وراء بلاد العراق ، وفي منتصف القرن العشرين شن محب الدين الخطيب ومن تلاه من السلفيين الهجوم على الشيعة كرد فعل على دعوة التقريب التي سرت آنذاك بين الشيعة والسنة، وبالتحديد عندما استشعر الخطيب خطورة تزعم الأزهر لدعوة التقريب. وفي أعقاب إنشاء دار التقريب في القاهرة بتمويل شيعي إيراني استنكر الخطيب أن تقام هذه الدار في القاهرة عاصمة أهل السنة وليس في قم أو طهران . وقد رفض الخطيب دعوة التقريب بسبب حجة أساسية مفادها “التقية”، فكل ما يقوله الشيعة كذب ولا يمكن الثقة بهم.

 وتستمر الفرضية التاريخية على مدى أكثر من عشرة قرون مفادها لدى السلفيين أن المذهب الشيعي ظهر “كرد فعل مجوسي فارسي على هزيمتهم العسكرية أمام العرب فحاولوا الالتفاف على الإسلام لأنهم أدركوا انهم لن يتمكنوا من هزيمته وجها لوجه في معارك شريفة سافرة ولا سبيل إلى سحقه باغتيال أئمته فأزمعوا الرأي أن يتظاهروا بالإسلام وان يكونوا الطابور الخامس في قلعته”

 وقد استقرت في النصف الثاني من القرن العشرين مدرسة سلفية كان رائدها البارز الباحث الباكستاني السلفي إحسان إلهي ظهير ( الذي تلقى تعليمه في المدينة المنورة) وشن ظهير هجوما ضاريا (كان سببا في اغتياله) مستهدفا الشيعة والفرق غير السنية في باكستان والعالم الإسلامي. ولقيت كتبه رواجا وانتشارا واسعا في دول الخليج ذات التوجه السلفي وبصفة خاصة في المملكة العربية السعودية. ويقوم منهج ظهير على شن هجوم مشفوع بالرجوع إلى المصادر الشيعية ذاتها انطلاقا من مبدأ  “الأخذ من أفواه القوم وما سطرته أيديهم حجة لهم على أنفسهم”.

 والنتيجة المنتظرة من الهجوم الكاسح  المتسلح بالمصادر الشيعية  هو رفض أي تقارب مع الشيعة ، ويتساءل ظهير ” أي وحدة تأتي  على حساب أبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله البررة؟ وماذا يريدون بالتقريب ؟ أن نترك عقائدنا ونغمض عن أعراض أسلافنا التي تنتهك من قبل “إخواننا” الشيعة ونصفح عن جراحات أكلت قلوبنا وأقلت مضاجعنا؟ هل تطلب دعوة التقريب أن نكرمهم ويهينونا ونعظمهم ويذلونا ، ونسكت عنهم ويسبونا ، ونحترم أسلافهم ويحتقروا أسلافنا ، ونحتاط في أكابرهم ويخوضوا في أكابرنا .. فوربك تلك إذا قسمة ضيزى”.

 التقريب بين الغاية والوسيلة

 مع اشتعال الحرائق الطائفية في كل بلد إسلامي تعلو أصوات المنادين بالتقريب بين أبناء المذهبين. ويعتقد كثير من المؤمنين بفكرة التقريب بين السنة والشيعة أنهم يجاهدون في الله، ويسعون إلى تحقيق فضيلة جمع أبناء القبلة، وأصحاب الشهادة، والمؤمنين برسالة الإسلام في صف واحد قطعا للطريق على أعدائهم واستفادة بعزم الجميع لنهضة الأمة.

 ويقول أنصار التقريب أن الفُرقة خلقتها عوامل غير عقدية. فالمواقع الجغرافية التي استوطنها الشيعة كانت منعزلة ونائية ما سهل حياكة الشائعات بشأنهم وتلفيق التهم بحق طقوسهم، والتي تفنن الشيعة في إحاطتها بالسرية.

 والخلاف في أساسه لدي دعاة التقريب مصطنع، أرسته الأطماع الصليبية، ونفخ في ناره الاستعمار للإبقاء على المسلمين متفرقين ضعفاء. وما حديث العراق بجديد. وتتخذ الدعوة إلى التقريب في كل قرن دافعا مختلفا، وليست فكرة التقريب بدعة أو حدثا أملته الظروف المعاصرة. فمحاولات التوفيق قد بدأت منذ ظهور أول افتراق في جماعة المسلمين. وتوالت المحاولات المختلفة منذ عهد الإمام علي بن أبي طالب مرورا بموقف زيد بن علي بن الحسين ( رضي الله عنهم أجمعين) وحتى اليوم.

 وقد بدأت الدعوات حول التقريب منذ إرساء مبادئ الفكر الشيعي. ويمكن تتبع  تاريخ هذه الجهود منذ أول فتنة طائفية تشهدها بغداد سنة  328 هـ وما تبعها من فتن ارتبطت بسب وتكفير الشيعة للصحابة في مآتمهم. وجرت محاولات سياسية للتوفيق والتقارب على نحو ما قام به الخليفة المأمون من توليته العهد “لعلي الرضا” (أحد أئمة الشيعة الإثنى عشر). وقد فسر البعض ذلك بأنه حسن تدبير سياسي لامتصاص الشيعة وتفويت الفرصة أمام أعداء الدولة العباسية. لكن وفاة الرضا ( في بعض الروايات مسموما) حالت دون تحقيق نتيجة إيجابية من هذه السياسية.

 ويعد مؤتمر النجف في عام 1735 أهم محاولات التقريب على الإطلاق. ورعى المؤتمر “نادر شاه” أعظم ملوك إيران في ذلك العصر. وكان انعقاد المؤتمر بعد أحداث دامية جرت بعد استيلاء  “نادر شاه” على أراضي سنية ووقعت فيها صدامات بين السنة والشيعة إبان حروبه مع الدولة العثمانية. وانتهى المؤتمر بإلزام الشيعة بعدم سب الصحابة . ولم تستمر النتائج الإيجابية للمؤتمر بعد وفاة نادر شاه.

 وفي عام 1945 بدأت في مصر دعوة التقريب بإنشاء “دار الإنصاف للتقريب” وكان هدفها المعلن “فهم المذاهب الإسلامية، وتبعها دعوى أحد مشايخ قم في إيران ويدعى محمد تقي القمي في عام 1943واستجاب لدعوته بعض علماء السنة في مصر والزيدية في اليمن واتخذت من القاهرة مقرا لها وأقامت دارا أسمتها”دار التقريب بين المذاهب الإسلامية” وأصدرت مجلة “رسالة الإسلام” التي كانت النشاط الفعلي والوحيد للجماعة. وقد تزامن نجاح هذه الدار مع إصدار شيخ الأزهر محمود شلتوت فتواه في عام 1947 بـ”جواز التعبد على المذهب الجعفري”.

 ثم تنبهت طهران إلى أن نقطة الضعف الأساسية التي توجه لمسار التقريب تكمن في  تكثيف نشاط الدعوة الشيعية في القاهرة دون خطوة موازية في إيران. فأقامت من جانبها “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية” في عام 1990ودعت إليه بشكل دوري كبار شيوخ الأزهر ورجالاته. وقد بدأت تتحقق نتائج إيجابية لولا التورط الأمريكي- الإيراني في العراق منذ سقوط بغداد عام 2003. وقد ظهر خلال النصف الثاني من القرن العشرين تيار شيعي رأي أنه لا يجب فقط الاكتفاء بالتقريب بين الطرفين وأن يحتفظ كل طرف بما لديه من مواقف (صحيحة وخاطئة) وفضلوا الانتقال إلى مستوى آخر ألا وهو تصحيح ما في الفكر الشيعي من تجاوزات ومفاهيم مغلوطة.

 وتقوم المراجعات الفكرية على رفض اتخاذ وسطاء بين الله وخلقه، وإنكار الاعتقاد بتصرف الأئمة بالكون أو القول بأن الأئمة يعلمون الغيب، ونقد الأحاديث التي وضعت لإضافة شرعية على إمامة المهدي وحياكة الخرافات حولها، ورفض القول بتحريف القرآن ورفض التفسير الباطني للقرآن. والتسليم بأن عليا بن أبي طالب وإن كان بعيون الشيعة أفضل الصحابة إلا أن ذلك لا يعني ذلك أن الصحابة الذين لم يبايعوه خليفة للرسول قد ارتكبوا جرما، فالإمامة ليست جزءا من الإيمان. ويتبرأ زعماء هذه المراجعات من لعن الصحابة.

 وقد خطى العالم الشيعي الشهير موسى الموسوي خطوات أكثر تقدمية حين تجاوز مجرد النقد إلى وضع الشروط الواجبة لإعادة المسلمين إلى وحدة الصف وحصرها في العودة إلى التشيع العلوي الأول أي التشيع الديني لا التشيع السياسي. فالجمع بين المفهوم الديني والروحي والسياسي للإمامة لم يبدأ إلا في القرن الرابع الهجري مع البويهين والعباسيين وهو ليس منهج أهل البيت. وأكد كذلك على ضرورة إصلاح الخلل العقدي الذي لحق بالشيعة عبر التاريخ، مع ضرورة إبقاء الخلاف بين السنة والشيعة خلافا فقهيا شأنه شأن المذاهب الأربعة. ونادي الموسوي بالأخذ بفقه جعفر الصادق مباشرة وترك التبعية للمجتهدين الفقهاء.

  وفي النهاية بوسعنا طرح السؤال هل التقريب وسيلة أم غاية؟ بعض الحركات الإسلامية السنية والشيعية ( كالإخوان المسلمين وحزب الله) يرون للوحدة غايات أخرى، داخلية هذه المرة ، كالوقوف في وجه الطغاة. لكن ذلك ليس بالضرورة هدف الجميع، ففي معسكر الطرفين يقف صقور المذهبين غير معترفين بإسلام الفريق الآخر، ويرونهم مارقين خارجين على الدين. فالشيعي المتزمت لا يثق في أي مسعى للتقارب مع السنة ، إذ ليس هذا سوى وهم ، فأحفاد يزيد ومعاوية لن يتغيروا. والسلفي لا يرى في الشيعة سوى فرقة ممسوخة عن اليهودية أو النصرانية لا غاية لهم سوى الطعن في الدين.

 الغيورون على وحدة الإسلام يفتحون باب التقريب واسعا للتجاوز عن الخلافات وتفكيك الأوهام المنسوجة حول عقائد وممارسات الطرف الآخر، معتمدين على أن ما بين المذهبين من مشتركات في الأصول أكبر بكثير من خلافات الفروع. والغيورون على نقاء المذهب و”أرثوذكسيته” يرفضون “تمويه” الدين والابتداع في شرائعه وتقويض دعائمه بأكذوبة وخدعة أسمها “التقريب”.

 وتختلف المواقف من التقريب كلما تغير “اللاعبون المؤثرون”. فهناك الأغلبية المحتفظة برأيها في الصدور سواء وافقت على التقريب أم رفضته. وهؤلاء جمهور واسع في بعض البلاد الإسلامية التي ليست بها ثنائية مذهبية. وغالب إطلاع هذه الأغلبية حول مسألة التقريب مشوه ومبتور، صنعته قصاصات ورقية مقتضبة، أو مشاهد إعلامية صاخبة، أو خطب منبرية زاعقة.

 ويبدو أن ما سطره بن تيمية قبل 700 سنة هو ما يخشى أن يقوله جمهور كبير من أبناء المذهبين الآن. يقول بن تيمية في كيفية تعامل السنة مع الشيعة ” إن الهجر والنكران للرافضة يختلف باختلاف الأحوال من قلة البدعة وكثرتها وظهور السنة وخفائها. وأن المشروع قد يكون التأليف تارة والهجران تارة أخرى”.

 ولعل هذا هو بعينه منهج تعامل قطاع كبير من أبناء المذهبين معا، حتى ليبدو أن الطرفين يتعاملان بمبدأ التقية بحيث تفرض الأوضاع وقوى الجذب والشد ومواطن الضعف والقوة كلمتها على طبيعة الموالاة أو الرفض والنكران. انظر على سبيل المثال ما يقوله الكاتب السعودي عبد العزيز قاسم في حواره مع الشيخ الشيعي حسن الصفار:

 “نزعم أيها السادة أن ما نفعله ( من حوار وتقريب) هو جزء من مسئوليتنا المهنية الوطنية ، وإننا بما نقدمه سنفوت الفرصة على سيد العالم الأشقر الذي استمرأ دس أصابعه في أحشاءنا وبات منذ 11 سبتمبر يكيل لنا الاتهام تلو الآخر .. ويستضيف المارقين على إخواننا الشيعة في الكونغرس ليؤلب على الوطن ويبذل جهودا (علقمية)”.

 هل نتجاوز إذا قلنا أن دس السيد الأشقر أصابعه في الأحشاء هو الذي أجبر السعوديين على الالتفات إلى ضرورة الحوار مع الشيعة؟ وهل نتجاوز إذا فهمنا من هذا اتساقا وترجمة “حرفية” لما يقوله بن تيمية؟ وهل نتأسف بالمثل إذا أقررنا – من خبرة مباشرة وليس من قراءة نظرية- أن مواقف فريق من علماء الشيعة نحو التقريب ليست لوجه الله بقدر ما هي رغبة فقط في الفكاك من الدائرة الضيقة التي يحتبس فيها الشيعة إعلاميا وسياسيا، ورغبة في الولوج إلى آفاق أكثر اتساعا من الناحية الاقتصادية؟ إنها الأزمة الحقيقية: أزمة التقريب المراوغ المتشكك القائم على المصلحة الآنية.

المصدر: خطوات

المزيد:

عرض أسامة الهتيمي كتاب الشيعة في المشرق الإسلامي.. تثوير المذهب وتفكيك الخريطة

عرض أحمد طة حسين كتاب الشيعة في المشرق الإسلامي.. تثوير المذهب وتفكيك الخريطة

المتعلقات:

كتاب الشيعة في المشرق الإسلامي ضمن قوائم الكتب الممنوعة في معرض الكتاب

 تدوينات مرتبطة:

قائمة فهارس: كتابات الدكتور عاطف معتمد

بالصور: براغ .. رحلة الأقدام والأقلام بقلم الدكتور عاطف معتمد

بالخرائط: بحثًا عن الإسلام في المجر بقلم الدكتور عاطف معتمد

تدوينات ذات صلة:

بلعبة السياسة والسلطة: أوكرانيا .. من العودة إلى حلول الوسط الى فشل الثورة البرتقالية بقلم الدكتور عاطف معتمد

تدوينات اخرى:

عرض عاطف معتمد عبد الحميد كتاب الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية

عرض عاطف معتمد عبد الحميد كتاب الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر

الجيوبوليتيك.. طمع السياسة يشوه علماً!

من موضوعات بيت الجغرافيا:

الجغرافيا والماركسية السوداء

الجغرافيا والجندر..تحويلات العاملين الألبان في اليونان

الليل…سؤال جديد في الجغرافيا

“نحو خريطة جديدة لمصر” للدكتور محمد رياض

a-magdy-blog

للطلاع على مقدمة كتاب «نحو خريطة جديدة لمصر» للدكتور محمد رياض، فقط اضغط على اقرا المزيد

معلومات عن الكتاب:

عنوان الكتاب : نحو خريطة جديدة لمصر

الناشر : دار الهلال

المؤلف: د. محمد رياض

تاريخ النشر : 2004.

عدد الصفحات : 348

المزيد:

مقدمة كتاب نحو خريطة جديدة لمصر

تدوينات مرتبطة:

تغطية: كتاب «الانسان .. دراسة فى النوع والحضارة» للدكتور محمد رياض

تغطية: كتاب «رحلة فى زمان النوبة» و «النوبة القديمة فى صور» للدكتور محمد رياض

تغطية: كتاب «القاهرة .. نسيج الناس فى المكان والزمان» للدكتور محمد رياض

القاهرة .. نوستالجيا مستقبلية بقلم الدكتور محمد رياض

حول متغيرات المناخ و مصير الدلتا بقلم الدكتور محمد رياض

تدوينات اخرى:

الدكتور محمد رياض: ثورات الربيع العربى تؤسس لجغرافيا سياسية جديدة فى الشرق الأوسط

محدث: ”التدريب الصيفى“ لطلاب جغرافيا فى مركز الدراسات الماليزية

يسّر برنامج الدراسات الماليزية – مركز الدراسات الأسيوية  التابع لكلية الإقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة وجامعة المالايا

الإعلان عن بدء دورات الدراسات الماليزية المجانية والتى تعقد بصفة دورية على مدار العام بجامعة القاهرة .

المحاضرين نخبة متميزة من أساتذة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية من مصر وماليزيا .

موضوع الدورة الحالة الماليزية كدولة من الدول التى حققت طفرة مذهلة على المستوى الدولى من النواحى السياسية، الإقتصادية، الثقافية، والإجتماعية .

طريقة التقديم عن  الحضور من الطلاب والخريجيين بجميع الجامعات للتسجيل بمقر البرنامج الكائن بالدور الثانى مبنى شرق كلية الأثار، جامعة القاهرة و للإستسفار عن مواعيد الدورات والتسجيل يرجى الاتصال على رقم  35694120 .

يمنح للمشتركين فى نهاية كل دورة شهادات معتمدة من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية .

ملحوظة العدد المتاح خلال الاجازة الصيفية محدود .

المصدر: خطوات

مواقع ذات صلة:

صفحة مباردة التدريب الصيفى على مدونة خطوات

مجموعات ذات صلة:

صفحة مبادرة التدريب الصيفى على الفيس بوك

“مدينة الـ900 كم نيل”

a magdy blog

للاطلاع على ملخص بيانات مشروع مدينة الـ900 كم نيل فقط اضغط هنا

كَتَب: أحمد مجدي

مدينة الـ ٩٠٠ كم نيل  دراسة مقدمة من اتيليه كيمب ثيل ، باوكو ، جراو ، لولا ، هيلسون موران إيطاليا , بالإشتراك مع ايمن هاشم للتنمية الحضرية ، ديرنز إيطاليا، انجيلو بوريس بوريولو، ستيفانو جراتسياني، سافيريو بيساباني ، باس برينسن ، جيوفانا سيلفا ، مع عمرو عبد القوي ومعتز فيصل فريد.

تعَد مدينة النيل سلسلة من المستوطنات الواقعة في وادي النيل، مساحة أرض ممتدة بطول ٩٠٠ كم ما بين أسوان والقاهرة. وجود مدينة النيل جاء بالصدفة البحتة. لم تكن هناك أبداً النيّة أو الرغبة لإنشائها؛ هي أمر حدث فجأة. تُعتبر مدينة النيل نموذج جديد من المدن تكونت ببساطة عن طريق النمو السكاني السريع.

مدينة النيل مدينة لا مثيل لها. أثناء تصوُّر مستقبل مدينة النيل نجد أنفسنا نعمل في الفراغ الفكري. لا يمكن فهم مدينة النيل بتطبيق نظريات القرن الـ١٩  والـ٢٠ العمرانية. ربما يرجع ذلك الي أنه طبقاً لقوانين داروينية صارمة، فمدينة النيل كانت يجب أن تكون فانية رجوعاً لكونها غير مكتفية ذاتياً.

هناك ضرورة لوجود مشروع من أجل تصوّر مستقبل مدينة النيل. ولابد من تقديم مشروع سريعاً، لأن وادي النيل مكتظ بالسكان وبه كمية قليلة جداً من الماء ومن الأرض الصالحة للزراعة ولا يوجد الكثير من الوقت. ليست البدائل في وادي النيل عمارة أو ثورة، ولكن عمل أو استنزاف، تخطيط أو فناء.

المصدر: خطوات

المزيد:

الموقع الرسمى لمشروع مدينة الـ900 كم نيل

تدوينات مرتبطة:

تغطية: اطلس مشروع تطوير وتنمية منشية ناصر

تغطية: كتاب «ممر التنمية و التعمير» للدكتور فاروق الباز

تدوينات ذات صلة:

محمود عاشور: مشروع توشكي مثمر بالتخطيط مع مشاريع أخري

بالخرائط: ألغاز شرق التفريعة !

تدوينات اخرى:

كتاب التنمية .. الجغرافيا دعامة التخطيط للدكتور صلاح الدين الشامى

كتاب الخريطة القومية المقترحة لجمهورية مصر العربية لسنة 2020 للدكتور عصمت أحمد عاشور

ملحق «نهر النيل ودول الحوض» من ميدان مصر

a magdy blog

للاطلاع على ملحق كاملا فقط اضغط هنا

كَتَب: أحمد مجدي

 ميدان مصر: نهر النيل ودول الحوض

اقرأ داخل الملحق:

النيل … إلى أين ؟ بقلم محمد الدمرداش

عروس النيل بقلم أمنية شهيب

حصص المياه: من هو المحق ؟ بقلم لاما الحاتو

استقلال جنوب السودان ومستقبل سياسية مصر النيلية بقلم ياسمين موسى

نحو حل قضائي لمسألة استخدام مياه النيل بقلم  ياسمين موسى

بناء السدود الإثيوبية ..عمل حربي أم فرصة ؟ بقلم لاما الحاتو

مبادرة حوض النيل بقلم رامي لطفي 

بالاضافة الى الاطلاع داخل الملحق:

الخرافات والحقائق عن نهر النيل .

حصة الفرد من المياه العذبة المتجددة لدول حوض النيل .

مساحة حوض النيل داخل كل بلد .

مساحة الرقعة الزراعية والاراضى الصالحة للزراعة  لدول حوض النيل

مساحة الأرض المروية بطرق ميكانيكيه وطبيعية لدول حوض النيل .

صلاحية نهر النيل للملاحة .

مصادر المياه فى مصر .

استخدامات المياه فى مصر .

نظام تدفق مياه النيل في مصر .

الجدول الزمني للعلاقات المائية والسياسية لدول حوض النيل .

حقائق عن السكان والطاقة الكهربائية لدول حوض النيل .

حقائق غذائية عن دول حوض النيل .

تقييم مشاريع السدود فى أثيوبيا وتأثيرها على مصر .

الثروة الحيوانية ومصائد الاسماك لدول حوض النيل .

المصدر:

تدوينات مرتبطة:

بالخرائط: نهر النيل .. المكون الجغرافي للذات المصرية بقلم الدكتور عاطف معتمد

ماذا لو اختفى نهر النيل عن مجراه الطبيعي بقلم الدكتور حمدى هاشم

تدوينات ذات صلة:

بالخرائط: النهر العظيم في ليبيا يغير شكل الحياة

“حالة المدن العربية” من برنامج الامم المتحدة

حالة المدن العربية .. تحدي التحول الحضري

– الكتاب: حالة المدن العربية 2012.. تحدي التحول الحضري
– المؤلف: مجموعة من الخبراء والمختصين
– عدد الصفحات: 248
– إصدار: برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل)، نيروبي، كينيا
– الطبعة: الأولى 2012

للطلاع على الكتاب كاملا فقط اضغط هنا

عرض / زياد منى

يقول الكتاب عن المنظمة التي أصدرته: برنامج “الموئل” يساهم من خلال أجندة العمل هذه في مجمل غاية نظام الأمم المتحدة والتي تهدف إلى الحد من الفقر وتعزيز التنمية المستدامة. كما تتضمن نطاقاً واسعاً من الشراكات مع الحكومات، والسلطات المحلية، ومجموعة واسعة من المنظمات الدولية غير الحكومية في قطاعات متعددة، إلى جانب عدة فئات من المجتمع المدني.

التقرير
ثمة نسختان من هذا التقرير: الأولى متكاملة باللغة الإنغليزية، والثانية باللغة العربية موزعة على أربعة أجزاء، وكل جزء منها يحوي أقساما كثيرة. أما الأجزاء الأربعة الرئيسية فهي:

1- حالة المدن العربية لعام 2012، ويحوي القسم الأول ملخصات الأبواب الخاصة بالأقاليم الفرعية (منطقة المشرق العربي، والمغرب العربي، ودول مجلس تعاون الخليج العربية، دول الجنوب). ويضم هذا الجزء كثيرا من التفرعات والتقارير الإحصائية على نحو عام. ويضم القسم الثاني من هذا الجزء فصل “حالة مدن دول المشرق العربي” وهي: مصر، والعراق، والأردن، ولبنان، وفلسطين، وسوريا).

2- حالة مدن دول المغرب العربي (الجزائر، وليبيا، والمغرب، وتونس، وموريتانيا).
3- حالة مدن دول مجلس تعاون الخليج العربية (البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والسعودية، والإمارات).
4- حالة مدن دول الجنوب (جزر القمر، وجيبوتي، والصومال، والسودان “قبل التقسيم”، واليمن).

هذا التقرير يقدم كمية كبيرة من المعلومات التفصيلية عن مختلف مجالات الحيوات في المدن العربية الرئيسية، ولذا يمكن القول إنه مهم لدارسي المادة وللمشاركين في التخطيط الاقتصادي الاجتماعي، إضافة إلى العاملين في مجال تطوير المدن وبناها التحتية.

ونظرًا لكمية المعلومات الهائلة التي يحويها التقرير، فإن هدف عرضنا هذا هو استقطاب اهتمام أهل الاختصاص للاطلاع عليه وتقويم النتائج التي توصل إليها، ودراسة التوصيات بالخصوص.

ثمة أسباب كثيرة تفرض على المساهمين في إعداد هذه التقارير التعامل مع كل إقليم على حدة، فالتباين واضح في عدد السكان والكثافة السكانية ومساحة كل دولة ومواردها الطبيعية ومقدار دخلها ودخل الفرد، ومن ثم التحديات التي تواجه كل دولة على حدة. لذا فإننا سنركز في استعراضنا هذا على النقاط الرئيسية التي نرى أنها مهمة للقارئ، ومن ثم للعرض.

يقول التقرير إنه مكمل لتقرير حالة مدن العالم للأعوام 2010/2011، وللتقارير عن حالة المدن الأفريقية.

ويضيف إن المنطقة العربية تعد من أكثر مناطق العالم تحضرًا. وبالنظر إلى أن عدد سكان الدول العربية بلغ عام 2010 نحو 357 مليونا، أكثر من نصفهم (56%) يعيش في المدن، وهو ما يساوي أربعة أضعاف معدل النمو المسجل عام 1970، مع توقع زيادة هذا العدد عام 2050 إلى نحو 650 مليون نسمة، سيقطن 68% منهم في المدن، بكل ما يحمل ذلك من تبعات على البنية التحتية للمدن وضرورة تصدي السلطات للتحديات المقبلة، ومنها مشكلات تلوث الهواء وتوفير مياه الشرب النظيفة والتخلص من النفايات السامة في التربة وشبكات الطرق التي تساعد في ربط مختلف مناطق الدولة الواحدة بعضها ببعض، وبالدول المجاورة.

من ناحية أخرى يلاحظ التقرير مقدار الفقر بين سكان الدول العربية، حيث يصل إلى متوسط مقداره 18%، لكن الوضع يختلف من بلد إلى آخر بحسب ثروة البلاد. فدخل الفرد في دول الخليج العربي والذي تتصدره دولة قطر، يتجاوز بكثير دخله في بلاد فقيرة.

والتقرير في جوهره  يثني على التخطيط الحضري في معظم دول مجلس التعاون الخليجي حيث تتميز ببنية تحتية متقدمة، وربما يعود هذا في جزء منه إلى أن معظم مدنها حديثة للغاية.

وإضافة إلى هذا التفاوت في الدخل العابر للحدود، ثمة تفاوت آخر في مقدار الدخل في داخل الدولة الواحدة، ونعني بذلك الفرق الكبير بين دخل الفرد في المناطق الريفية مقارنة بدخله في المناطق الحضرية.

في الوقت نفسه فإن التقرير الذي يعتمد في تحليله على مرجعيات وأرقام توفرها الحكومات صاحبة العلاقة، يؤكد تمكن دول مجلس التعاون الخليجي من تحقيق معظم الأهداف التنموية، بينما لا يتوقع تمكن أي من الدول الأخرى من تحقيق الأهداف المعلنة.

ولا شك في أن الصراعات في بعض الدول العربية والتي تطورت إلى مستوى الحروب الداخلية والتمردات، ستؤثر كثيرًا في كبح أي تطور مأمول. وهنا يلاحظ التقرير أن ما يساهم في عملية التحضر، أي انتقال السكان إلى المدن، هو النزاعات الداخلية، حيث تأوي الدول العربية مجتمعة أكبر عدد من اللاجئين، واعتماد نمط محدد من التطور الاقتصادي مثل البناء واستخراج النفط ومشتقاته وما إلى ذلك.

كما وجب تذكر أن الصحراء تشكل ما مقداره 90% من مساحة جزيرة العرب، فمن الطبيعي انتقال السكان إلى المدن والإقامة فيها بحثًا عن عمل مما يشكل عبئا إضافيًا عليها. ومن المشاكل الأخرى التي تواجه عملية النمو، المركزية الإدارية وعدم منح الأقاليم فرص التطور الممنوح للمدن.

وهناك أيضًا مشاكل مرتبطة بمقدار الشباب من مجموع السكان (60% تحت سن 25 عاما من إجمالي عدد السكان)، حيث يتطلب الأمر توفير فرص عمل وأمكنة الدراسة.. إلخ. فعلى سبيل المثال يبلغ مقدار العاطلين عن العمل بين الشباب في الكويت (11%) بينما يرتفع إلى 35% في المغرب، وهذه كلها أرقام رسمية، ومن غير المستبعد أنها أعلى من هذا بكثير.

والتقرير يشير إلى انتشار ما يعرف بالمناطق العشوائية، أي المناطق السكنية التي أقيمت على تخوم المدن دون تخطيط ودون توفير المستلزمات الضرورية للحياة، مثل توفير مياه الشرب وقنوات الصرف الصحي وغير ذلك من الخِدمات الأساسية لأي تجمع بشري.

ومن التحديات الأخرى التي تواجه سكان الدول العربية شح المياه، حيث تعد الأعلى في العالم (عدا العراق). فمع أن 85% من المياه تستهلك للأغراض الزراعية، فإن معظم الدول العربية تستورد نحو نصف حاجاتها من المواد الغذائية، وهذه مشكلة مريعة للغاية تظهر مدى سوء التخطيط والإدارة في هذا المجال الحيوي.

تضاف إلى ذلك كله ضمن أمور أخرى، مسألة الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة ونقص كبير في الأمطار، مما يؤدي بالضرورة إلى انتشار الجفاف ويقود بدوره إلى خفض مستوى الإنتاجية الزراعية بمقدار يراوح بين 10 و40%.

ومن الآثار الجانبية -الخطيرة حقًا- للتوسع الحضري، القضاء على المواقع التاريخية التي تتميز بقيمة حضارية لا تقدر بثمن.

في الواقع، إن مجموع المشاكل والتحديات التي تواجه مختلف المدن العربية أكبر من أن تحصر في عرض مختصر، ولذا رأينا أن نركز في عرضنا هذا على المشاكل الرئيسية.

النتائج والرسائل
يخلص التقرير المطول إلى أهم النتائج والرسائل الواجب استخلاصها، ويلخصها في نقاط رئيسية أهمها:

– شهدت المنطقة العربية بين عامي 1970 و2010 نموًا في الكثافة الحضرية بمعدل أربعة أضعاف، وسيتضاعف هذا المقدار حتى عام 2050.
– بما أن معدلات النمو الحضري سيتم استيعابها في المدن المتوسطة الحجم، فمن الضروري تعزيز المقدرات والكفاءات الإدارية لتتمكن من التعامل مع هذه التطورات.
– ثمة أسباب عديدة للنمو الحضري في بعض الدول العربية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنمو الاقتصادي والهجرة إلى الدول الثرية بالنفط والجفاف والنزاعات الداخلية.. إلخ.
– عدد اللاجئين في الدول العربية عام 2010 بلغ أكثر من سبعة ملايين نسمة، يضاف إليهم نحو عشرة ملايين نازح و15 مليون عامل وافد لأسباب اقتصادية.
– أساليب الإدارة الحالية تتميز بدرجات عالية من المركزية، وتقوض بذلك مستوى كفاءة السلطات المحلية، إضافة إلى إعاقة المشاركة السياسية في المناطق الحضرية والقضاء على الروابط بين المواطن والسلطة الحاكمة.

– تم تحقيق تقدم ملموس في بعض الدول العربية في مجال تنظيم المناطق العشوائية الحضرية، ويمكن للدول العربية الأخرى التي تعاني هذه المشكلة الاستفادة من تجارب شقيقاتها.
– المضاربات العقارية تعيق بل وتمنع توافر مساكن لذوي الدخل المحدود.
– التهديدات المتزايدة الناتجة عن انعدام الأمن الغذائي والمائي في المناطق الحضرية، تعد أبرز التحديات التي ستواجه البلاد العربية في المستقبل المنظور، وستؤدي بالضرورة إلى اضطرابات اجتماعية في المدن.
– المنطقة العربية تعد إحدى أقل مناطق العالم في مجال التكامل التجاري الداخلي، وسبب ذلك انعدام الاستفادة من آليات التكامل الاقتصادي بين مختلف الدول العربية، إضافة إلى انعدام التنسيق على صعيد البنية التحتية الإقليمية المادية والسياسية.
– ثمة حاجة إلى مزيد من التعاون بين الدول العربية بهدف إيجاد مكان إستراتيجي لها في خريطة العالم الآخذ في العولمة.

لا شك في أن التحديات التي تواجه العرب -ليس فقط في المدن- كبيرة للغاية، والحراكات الشعبية المندلعة في كثير من وطننا العربي ستزيد من هذه المشاكل وتعقيداتها، مما يتطلب جهدًا يقوم عليه علماء من أهل الاختصاص في مختلف المجالات.

المصدر: الجزيرة

المزيد:

حالة مدن العالم 2010/2011

التقرير العالمى للمستوطنات البشرية 2011

تدوينات مرتبطة:

مجلة العالم الحضرى

دور نُظُم المعلومات الجغرافية في تنمية مصر للدكتور عبد الناصر عبد العال

a magdy blog

كتب: عبد الناصر عبد العال*

تتكوّن نُظُم المعلومات الجغرافية من برامج وأجهزة تستخدم في جمع المعلومات الجغرافية وتخزينها ومعالجتها وعرضها، بهدف استخدامها في التخطيط، وللاستفادة منها في عملية صنع القرارات المتنوّعة. وتتضمن النُظُم معلومات عن طبيعة المكان الجيولوجية والمناخية وما يحتويه من نباتات وحيوانات ومسطّحات مائية.

وتشمل أيضاً معلومات عن النشاطات الاقتصادية، وعلاقة الإنسان ببيئته، وكثافة السكان ونوعيتهم، والثروات الطبيعية، ومصادر الطاقة وموارد المياه وغيرها. وتتعامل هذه النُظُم الحاسوبية مع معلومات عن الأمكنة مثل الخرائط والصور والمواد المرئية – المسموعة عنها، ومعلومات وصفية مثل الأسماء والجداول والتقارير الإحصائية والرسوم البيانية، إضافة إلى بيانات عن المسافات والأحجام وغيرها. وتعرض هذه المعلومات على الكومبيوتر والإنترنت والورق.

حتى أيام الفراعنة

قديماً، رسم الفراعنة خرائط على ورق البردى. ودوّنوا معلومات جغرافية عليها. واستخدموها في ترويض النيل، وممارسة الزراعة، وبناء كثير من عمرانهم، ولا سيما الأهرامات ومعبد الكرنك. ونالت الخرائط دوراً كبيراً في الحضارة الإسلامية، ولا سيما عندما تزايدت الفتوحات الإسلامية وتطوّر بريد الدولة وإدارتها.

وفي عام 1854، استخدمت لندن خرائط انتشار مرض الكوليرا لمكافحته. وحديثاً، استُعمِل الحاسوب في رَقمَنَة المعلومات الجغرافية وتخزينها، ورسم خرائط دقيقة للمواقع المختلفة، وكذلك الحال بالنسبة إلى معالجة المعلومات وتحليلها وطباعتها. في ستينات القرن الماضي، طوّرت مدينة «أوتاوا» الكندية أول نظام حديث للمعلومات الجغرافية، واستخدمته في التعامل مع معلومات عن موارد المياه والحياة الطبيعية وخصائص التربة والمراعي والغابات، وأراضي الدولة والنشاطات الزراعية. واستخدم هذا النظام في برامج تنمية المدينة.

وشيّدت مدينة واشنطن قاعدة بيانات عن المجرمين وأماكن تركّز جرائم القتل والمخدرات والتحرش الجنسي وغيرها. واستخدمت هذه النُظُم في تعقّب المجرمين وتوزيع رجال الأمن وتحديد أماكن بناء مراكز الشرطة وتوزيع كمائن الأمن وسيارات الطوارئ.

وكذلك استعملت كتائب المقاومة العراقية خرائط «غوغل إيرث» لتسديد ضربات دقيقة للقوات الأميركية في العراق. وفي هذا السياق، طلبت السلطات الإسرائيلية من «غوغل» محو صور الأقمار الاصطناعية للأماكن الحساسة والإستراتيجية من خرائطها عن إسرائيل، كي لا تستخدم من قبل المقاومة الفلسطينية و«حزب الله». وتعتمد الشركات على معلومات عن أماكن تركّز زبائنها في رسم خطط التوسّع في الأسواق وفتح فروع جديدة لها. وعلى المنوال ذاته، تستخدم معلومات عن كثافة السكان ونشاطاتهم وتحركاتهم في التخطيط لمشاريع التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية وخطوط الطيران وغيرها.

وحديثاً، طوّرت مجموعة من نُظُم المعلومات الجغرافية المفتوحة المصدر «أوبن سورس» Open Source. كما تزايدت المعلومات الجغرافية على الشبكة العنكبوتية بفضل خرائط على محركات البحث كـ «غوغل» و«بينغ» و«ياهو». كذلك زاد دور الإنترنت والهاتف الجوّال والأقمار الاصطناعية و«النظام العالمي لتحديد المواقع» Global Positioning System و«غوغل إيرث» وغيرها، في تطوّر نُظُم المعلومات الجغرافية. وبفضلها، يمكن تحديد موقع أقرب مطعم ومستشفى ومحطة وقود ومركز شرطة وحتى صديق أو قريب معيّن.

وفي الآونة الأخيرة، ظهرت تكنولوجيا تُمكّن الأفراد من رسم خرائط لموقع ما وإدخال بيانات عليها وتحليلها، في دقائق قليلة. ويذكر أن البحرين حصلت أخيراً على جائزة التفوّق في نُظُم المعــلومات الجغرافية وتطبيقاتها.

مشاريع مصرية فاشلة جغرافياً

فشل مشروع «توشكا» الزراعي جغرافياً لوقوعه في منطقة سيّئة بيئياً ومتطرفة مناخياً ونائية جغرافياً. كما أُنشئ ميناء دمياط لأهداف سياسية لم تراع قربه من ميناءي الإسكندرية وبورسعيد! ولأسباب مشابهة، شُيّد «وادي التكنولوجيا» في منطقة المعادي و «القرية الذكيّة» في منطقة الأهرام، على رغم عدم توافر مقومات أساسية في تلك المناطق. وبالمثل، بُني «مجمع الحديد والصلب» في منطقة حلوان على رغم آثاره البيئية والتكلفة الباهظة لنقل خامات الحديد والكهرباء من أسوان. ويتذكر المصريون أن المدن الجديدة حول القاهرة ظلُت خاوية لعقود بسبب عدم توافر شروط جذب السكان إليها. كما اتّهمت الحكومات السابقة بإهدار قرابة 10 بلايين جنيه في مشروع «فوسفات أبو طرطور». فعلى رغم وجود خامات الفوسفات على سواحل البحر الأحمر وقرب ضفاف النيل، اختارت الدولة الاستثمار في منطقة أبو طرطور في قلب الصحراء الغربية، وهو موقع ناءٍ عن الحيّز العمراني والأسواق الخارجية والداخلية ومصادر الطاقة.

في مقابل هذا الفشل، يعوّل المصريون حاضراً على برنامج أعلنه الرئيس محمد مرسي لنهضة مصر والعبور بها إلى مرتبة الدول المتقدمّة، والقضاء على الفقر والتكدّس السكاني والظلم الاجتماعي، وإنهاء التبعية غذائياً، والقضاء على مظاهر الاستغلال في صناعة الدواء.

ويبدو برنامج مرسي رهناً بالقدرة على إقناع المصريين بالخروج من الوادي شرقاً وغرباً، عبر تنمية الساحل الشمالي والصحراء الغربية وصحراء سيناء ومنطقة قناة السويس والظهير الصحراوي لوادي النيل ودلتاه. كذلك يتضمّن البرنامج مشاريع زراعية وصناعية وتجارية وتعدينية وسياحية. ويطمح رئيس مصر الجديد إلى إنشاء واد للتكنولوجيا في محافظة الإسماعيلية وبناء مدينة للطاقة في الوادي الجديد، إضافة إلى مطار أفريقي ومنطقة حرة أفريقية فيها.

تحتاج هذه المشاريع إلى دراسات متأنية وتخطيط جيد وإدارة ذكية ودعم شعبي واسع، مع تمويل وافر. كما تحتاج إلى نظام متكامل للمعلومات الجغرافية لتحديد أولوياتها في التنفيذ، واختيار الأماكن المناسبة لها، ودراسة الظروف البيئية، وحصر الموارد البشرية والطبيعية لتوظيفها في هذه المشروعات.

في هذا السياق، وُضِعَ مشروع لمسح الأراضي الزراعية في مصر في عام 2007. وفي سياقه، جُمِعَتْ بيانات عن تآكل الأراضي الزراعية بأثر من زحف العمران، كما حُدّدت مناطق للتوسّع زراعياً في الصحراء والظهير الصحراوي لوادي النيل ودلتاه. وفي 2010، أنشئ مشروع مماثل لفهرسة المحاصيل الزراعية لجهة المساحات المزروعة بكل محصول على حِدَة، وحساب عائدات المحاصيل المهمة، ووضع قاعدة بيانات لنُظُم الريّ، ومتابعة انتشار ورد النيل في أقنية المياه.

وراهناً، تعكف وزارة الصناعة المصرية على رسم خريطة تفاعلية للفرص الصناعية والاستثمارية في البلاد. كما يعكف «مركز بحوث الصحراء» على إنشاء سجلّ للأراضي الصحراوية الصالحة للزراعة وتصنيفها من حيث الملوحة والجفاف وغيرها. بذا، بات ممكناً استنباط محاصيل مقاومة للملوحة والجفاف.

دور النُظُم الرقمية في التنمية

تحتاج مشاريع التنمية التي وعدت بها الرئاسة المصرية، إلى قاعدة متكاملة من المعلومات الرقمية عن جغرافيا مصر طبيعياً وبشرياً. وكذلك تتطلّب إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية عملاقة لدراسة طُرُق استغلال الجغرافيا السياسية لمصر وموقعها المميّز ودورها الريادي عربياً وأفريقياً وإسلامياً، إضافة إلى رصد تفصيلي لحركة التجارة في قناة السويس.

ويفترض أن تشمل هذه المعلومات بيانات دقيقة عن السكان والنشاطات الاقتصادية في كل منطقة، ومدى توافر الخدمات والبنية التحتية ومصادر المياه والطاقة، ودرجة ارتباطها بالأسواق الداخلية والخارجية، ومدى توافر عوامل الجذب السكاني فيها. ومن الممكن الاستفادة من الخرائط عن اتجاهات الهجرة الداخلية في توزيع مشروعات التنمية على أنحاء البلاد. ويحتاج التوسع زراعياً وسدّ الفجوة الغذائية، إلى خرائط عن توزيع مصادر المياه الجوفية ومعدلات سقوط الأمطار ونوع التربة ودرجات الحرارة وتحركات الرمال وسرعة الرياح وغيرها.

ويعتمد الترويج للسياحة على بيانات شاملة عن شواطئ مصر ومنتجعاتها وآثارها. كما يمكن استخدام خرائط تفاعلية إلكترونية لإجراء مسوح عن الأراضي المنهوبة وغير المستغلة.

وتؤدي نُظُم المعلومات الجغرافية دوراً بارزاً في دراسة جدوى ربط «واحة سيوة» مثلاً بالأسواق الداخلية أو الليبية المجاورة، وفي مشاريع إنشاء مناطق للتكامل مع السودان وغزة وليبيا. وينطبق وصفٌ مماثل عن التحديد العلمي للمناطق التي يفترض أن تستضيف مشروعات الطاقة النظيفة والمتجدّدة.

وعلى المنوال نفسه، تساهم النُظُم الرقمية الجغرافية في تحديد الأماكن الملائمة لاستضافة الصناعات المختلفة. فمثلاً، ربما تقترح هذه الدراسات أن تتميز منطقة شرم الشيخ عالمياً في السياحة ومنطقة أسوان في هندسة الكهرباء.

ومن الممكن الارتكاز إلى هذه النُظُم الرقمية في إيجاد حلول لمشاكل معقدة مثل التغيرات التي حدثت خلال حكم مبارك، واختيار مكان مناسب لإنشاء عاصمة جديدة في مصر. وتفيد هذه النُظُم في إعطاء أساس علمي لخطط تنمية منطقة قناة السويس، وآثار إحياء سكة حديد الحجاز وطريق الحرير على مداخيل قناة السويس.

* أكاديمي مصري في المعلوماتية

المصدر: الحياة

تدوينات ذات صلة:

نظم المعلومات الجغرافية .. لعشاق ارتياد الأفاق فقط بقلم الباحث محمد المري

تدوينات مرتبطة:

الطرق الفنية فى رسم الخرائط الرقمية ..من محاضرات الدكتور محمد ابراهيم

نظم المعلومات الجغرافية و الاستشعار عن بعد .. من محاضرات الدكتورعاطف معتمد

بالفيديو: ندوة مصر الرقمية .. خرائطها مين يعملها

كتاب مدخل الى النظام العالمى لتحديد المواقع للدكتور جمعة محمد داود

تدوينات اخرى:

تطبيقات نظم المعلومات الجغرافية فى التخطيط السياحى

متعلقات:

عبد الناصر عبد العال يكتب: »الظهير الصحراوى« بديل غير مكلف لخروج المصريين من الوادى

مصر بين دكتاتورية النهر وديمقراطية الصحراء للدكتور صبرى حمد

1

كتب: د‮. ‬صبري حمد*

عاشت مصر منذ العصر الحجري الحديث الاعلي أسيرة لنهر النيل بعد الانتقال التدريجي لسكانها الي جنبات الوادي والدلتا علي اثر عصر الجفاف الاخير الذي ضرب تدريجيا الحزام‮ ‬الصحراوي المحيط بالنهر كجزء من الجفاف الذي حل بالصحراء الكبري الافريقية وصحراء شبه الجزيرة العربية التي كانت عامرة بالسكان والعمران وقت ان كانت مروجا خضراء‮.‬
ومنذ ان تقوقع سكان مصر حول وادي النيل والدلتا تاركين الصحراء الفسيحة من خلفهم وهم يعيشون في كنف ديكتاتورية النهر قابعين في شرنقة الوادي والدلتا،‮ ‬راضين بمركزية وحكم مطلق نابع من مركزية وديكتاتورية النهر،‮ ‬وقد نقول انهم كانوا راضين بذلك وبلغوا حضارة لم يبلغها‮ ‬غيرهم بتأثير الاستقرار وتوافر المياه التي كانت قد شحت ونضبت في الصحراء حتي ان هيروديت قال قولته المشهورة‮ »‬مصر هبة النيل‮« ‬فاذا شبهنا وادي النيل بالاغلبية،‮ ‬فان الصحراء كانت تمثل دوما المعارضة،‮ ‬فأكثر من ‮٠٨ ‬مليون نسمة محتشدون في الوادي والدلتا،‮ ‬واقل من ‮٢ ‬مليون متناثرين في صحاريها الثلاث‮  ‬الغربية والشرقية وسيناء،‮ ‬وبلغة جغرافية توزيع سكاني صارخ‮  ‬قلما نجد له مثيلا في العالم،‮ ‬بين واد مكبس بكثافة تصل الي عدة‮  ‬آلاف في الكيلومتر‮  ‬المربع الواحد،‮ ‬وحوالي نسمة واحدة في نفس المساحة بالصحاري،‮ ‬معادلة تعكس ديكتاتورية النهر،‮ ‬وامامها ديمقراطية الصحراء‮.‬
وسوف اركز في هذه السطور علي ممر التنمية والتوزيع الجغرافي للسكان اما فيما يتعلق بممر التنمية فلو تأملنا الخريطة المصرية لقلنا انه‮  ‬يكاد يكون مساره موجودا بالفعل ولكن الي الغرب من المقترح المقدم من د‮. ‬الباز ممثلا في طريق صحراوي يربط‮ ‬غرب الاسكندرية بمدينة ‮٦ ‬أكتوبر ومنها الي الواحات البحرية ثم الفرافرة فالداخلة فالخارجة ثم الي توشكي وشرق العوينات،‮ ‬وحالة الطريق متوسطة فهل نقول ان تدعيم هذا الطريق من خلال ازدواجه واختيار عدد من المواقع لاقامة مشروعات تنموية سياحية وصناعية وعمرانية تمثل مراكز تنموية بؤرية‮  ‬تتمدد وتتوسع شرقا للتواصل مع الوادي من خلال طرق ودروب تصل بين وادي النيل من جهة وواحات الصحراء‮  ‬الغربية من جهة اخري خاصة وان‮  ‬مسارات هذه الدروب هي عبارة عن مواضع لآبار وعيون قديمة كانت بمثابة محطات لاستراحة القوافل التجارية القديمة ومنها درب من الفيوم الي الواحات البحرية ومن بني سويف الي الواحات البحرية ودرب الدير ليصل اسيوط بواجة الفرافرة ودرب الطويل بين اسيوط والداخلة ودرب الاربعين بين اسيوط والخارجة ودرب الرفوف بين طما وطوهاج والخارجة ودرب جرجا والخارجة ودرب فرشوط الي باريس ودرب الاقصر الي الخارجة ودرب دوش ليربط بين اسنا وادفو وواحة‮  ‬باريس‮.‬
فضلا عن امتداد درب الاربعين الذي يصل الي دارفور‮  ‬مرورا بتوشكي وشرق العوينات كما تحظي هذه المسارات في بعض مواضعها بتربة جيدة،‮ ‬كما ان احتمالات المياه الجوفية بها كبيرة‮ – ‬حفرت عدة آبار في درب البهنسا البحرية،‮ ‬وطريق البحرية الجيزة كانت بها مياه متدفقة تؤكد ذلك،‮ ‬بالاضافة الي‮  ‬موارد معدنية متعددة تصلح لمشروعات صناعية وعمرانية،‮ ‬وهذه‮  ‬الدروب هي نفس الفكرة التي اقترحها د‮. ‬الباز من خلال طرق عرضية،‮ ‬ويمكن ان نبدأ في اقصي الجنوب بتعمير منطقة‮ ‬غرب وشمال‮  ‬بحيرة ناصر وطريق درب الاربعين ورصف هذه الدروب لتصل بين محافظات اسوان والاقصر وقنا وسوهاج واسيوط كما يمكن ان نبدأ في الشمال ايضا ورصف الدروب الواصلة مع كل من الفيوم وبني سويف والمنيا واسيوط وما يقابلها في الصحراء،‮ ‬وفي هذه الحالة سنعتمد علي موارد مائية‮  ‬ذاتية في مواضع الدروب القديمة،‮ ‬ولن نكون بحاجة الي مياه النيل في هذه المرحلة،‮ ‬ويمكن ان تتطور الفكرة بتوصيل انبوب المياه الذي دعا اليه دكتور الباز لو ان المياه الجوفية لم تكن كافية من خلال دفع للمياه بشكل عرضي مع طرق القوافل القديمة حيث لن تقطع مسافات كبيرة بعكس الانبوب الطولي من الجنوب الي الشمال والذي ستزيد مساحته علي الألف كيلومتر.وفيما يخص قضية التوزيع الجغرافي للسكان،‮ ‬فقد كانت رؤية جغرافية ومازالت‮ – ‬وليس لنا خيار‮ ‬غيرها‮ – ‬بحتمية الخروج من شرنقة وديكتاتورية الوادي الي آفاق وديمقراطية الصحراء،‮ ‬وسنذكر عشرة محاور تنموية في صحاري مصر تتباين اهميتها وأولوياتها‮  ‬حسب ما توفره من فرص عمل بالاعتماد علي موارد اقتصادية متاحة ومعلومة‮.‬
الأولوية الاولي‮: ‬الساحل الشمالي في سيناء والصحراء الغربية من‮ ‬غرب‮  ‬الاسكندرية وحتي مرسي مطروح والثانية شمال ووسط الصحراء الشرقية وغرب سيناء المطل علي خليج السويس والثالثة جنوب سيناء وجنوب الصحراء الشرقية والرابعة وسط سيناء والساحل الشمالي في الصحراء الغربية‮ ‬غرب مطروح وحتي السلوم والخامسة‮  ‬توشكي وشرق العوينات،‮ ‬الا ان اهتمام الحكومة بهذه المنطقة يدفعنا لان ننقلها ضمن المجموعة ذات الاولوية الاولي‮.‬

* رئيس قسم الجغرافيا بجامعة الأزهر

المصدر: اخبار اليوم

تدوينات اخرى:

سيناء‮ ‬غير المعمورة بقلم الدكتور صبرى حمد

قبل أن تجف مياه الواحات البحرية ويرحل سكانها بقلم الدكتور صبرى حمد

تعمير الصحراء وتنمية سيناء بداية خريطة جديدة لمصر بقلم الدكتور صبرى حمد

جامعى يطالب بعودة أقدم ديناصورات العالم لمصر

 تغطية: مشاركة الدكتور صبري حمد فى برنامج اتجاهات

 تغطية: مشاركة الدكتور صبرى حمد فى ندوة قسم الجغرافيا جامعة الاسكندرية 

تدوينات مرتبطة:

الزيادة السكانية واحتمالات المستقبل بقلم الدكتور فتحي أبو عيانة

حول متغيرات المناخ و مصير الدلتا بقلم الدكتور محمد رياض

مصر.. ملامح دولة صنعت التاريخ بقلم الدكتور عاطف معتمد

اختفاء نهر النيل عن مجراه الطبيعي بقلم الدكتور حمدى هاشم

متى نحسن توظيف الجغرافيا باعتبارها علماً تطبيقيّاً ؟ بقلم الدكتور عبدالرحمن الواصل

نظم المعلومات الجغرافية .. لعشاق ارتياد الأفاق فقط بقلم الباحث محمد المري

ثورة الجغرافيا بقلم الباحث مجدى موسى

دفاعًا عن السلطان عبد الحميد الثاني بقلم الباحث كريم عبد المجيد

تدوينات ذات صلة:

تغطية: كتاب «ممر التنمية و التعمير» للدكتور فاروق الباز

المزيد:

التقرير النهائى وبعض المقترحات لندوه الجمعية الجغرافية المصرية عن ممر التنمية

“الزيادة السكانية واحتمالات المستقبل” للدكتور فتحي أبو عيانة

الزيادة السكانية واحتمالات المستقبل بقلم الدكتور فتحي أبو عيانة
كتب: د.فتحي أبو عيانة

في مستهل كل عام جديد ـ يعلن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تقديرا لسكان مصر يحدد فيه عدد السكان وتوزيعهم وتركيبهم العمري والنوعي‏,‏ وفي هذا العام أعلن أن سكان مصر بلغوا‏70.5‏ مليون نسمة منهم نحو مليونين خارج البلاد ـ كهجرة مؤقتة‏,‏ وان الزيادة الطبيعية خلال عام‏2003‏ بلغت‏1.335.444‏ نسمة‏,‏ وان معدل هذه الزيادة قد انخفض من‏1.99%‏ سنة‏2002‏ إلي‏1.96%‏ سنة‏2003‏ نتيجة انخفاض معدل المواليد من‏26.3‏ في الألف إلي‏26.1‏ في الألف في هذين العامين علي الترتيب مع ثبات معدل الوفيات حول‏6.5‏ في الألف سنويا‏.‏

فهل هبوط معدل المواليد بهذا القدر الضئيل للغاية يعد مؤشرا علي هبوط معدل الزيادة السكانية في المستقبل أم أنه دليل ثبات الخصوبة وتضاؤل الأمل في انخفاضها بعد ذلك؟غني عن القول ان انخفاض معدل النمو السكاني هو دلالة للتحول الديموغرافي الناجم بدوره عن التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي يشهده المجتمع المصري منذ عقد الستينيات من القرن العشرين‏,‏ فقد هبط معدل الوفيات من‏16.3‏ في الألف سنة‏1960‏ إلي‏6.5‏ في الألف سنة‏1996‏ وارتفع بذلك امد الحياة من‏52.7‏ سنة إلي‏67.1‏ سنة في هذين التاريخين علي الترتيب وقد ترتب علي الهبوط في الخصوبة‏,‏ الوفيات تناقص في نسبة صغار السن‏,‏ فقد هبطت من‏42.7%‏ سنة‏1960‏ الي‏40%‏ سنة‏1986‏ ثم الي‏37.8%‏ سنة‏1996‏ وتلك في اولي نتائج التحول الديموغرافي الناتج عن هبوط الخصوبة‏,‏ويبدو اكثر وضوحا في الفئة الأصغر‏(‏ دون الخامسة‏)‏ حيث قل عدد أفرادها من‏7.362.000‏ نسمة سنة‏1986‏ إلي‏6.855.000‏ نسمة سنة‏1996,‏ وقلت نسبتها تبعا لذلك من‏15.3%‏ إلي‏11.6%‏ من إجمالي السكان في هذين التعدادين الاخيرين أي بنسبة هبوط بلغت الربع تقريبا في عشر سنوات‏,‏ وارتباطا بذلك زادت نسبة السكان في الفئة المنتجة‏(15‏ ـ‏64)‏ من‏56.1%‏ سنة‏1986‏ الي‏58.9%‏ سنة‏1996.‏ أما فئة كبار السن فلم تزد إلا بنسبة ضيئلة تكاد لاتذكر‏(‏ من‏3,3%‏ إلي‏3,4%)‏ برغم أن عدد أفرادها المطلق قد تزايد من‏1 .598.500‏ نسمة إلي‏2.013.100‏ نسمة في هذين التاريخين‏.‏وهناك تفسيرات عديدة لهبوط مستوي الخصوبة في مصر في العقود الثلاثة الأخيرة لعل أولها هو ارتفاع السن عند الزواج خاصة لدي الإناث‏,‏ وارتفاع نسبة التعليم وتزايد نسبة سكان المدن وانخفاض معدل وفيات الأطفال الرضع‏,‏ وتزايد المعرفة باستخدام وسائل تنظيم الأسرة‏,‏ وتلك كلها مؤشرات مهمة للتحول الاجتماعي‏/‏ الاقتصادي الذي شهدته البلاد والذي يفضي في النهاية الي تخفيض مستويات الإنجاب‏.‏

وتسهم المحافظات الريفية والمحافظات الحضرية بنسب متباينة في الزيادة السكانية التي يشهدها المجتمع المصري‏,‏ غير انه يمكن القول بأن الريف المصري يعد المنبع الرئيسي للنمو السكاني حيث مازال سكان القري يكونون‏57%‏ من سكان مصر ويتزايدون بمعدلات أعلي من سكان الحضر‏,‏ فقد بلغ معدل المواليد اكثر من‏30‏ في الألف في محافظات بني سويف والفيوم والمنيا وأسيوط وسوهاج وقل عن ذلك في باقي المحافظات خاصة الحضرية‏.‏

ولا ريب ان تلك الأرقام هي متوسطات عامة‏,‏ غير ان المتعمق في منابع الزيادة السكانية يدرك ان هناك بؤرات تزايد سكاني عال سواء في المحافظات الريفية او المحافظات الحضرية حسب المستوي الاجتماعي والاقتصادي لكل قرية او شياخة‏.‏ ففي المدن الكبري مثلا ـ ومنها الإسكندرية التي تنقسم الي‏130‏ شياخة ـ تبين أن‏19‏ شياخة فقط تضم‏30%‏ من جملة السكان وتحوي بين ظهرانيها معظم سكان عشوائيات المحافظة ـ تبلغ نسبة الخصوبة فيها ضعف مثيلتها في باقي الشياخات‏,‏ كما انها تسهم بمعظم الزيادة السكانية التي تضاف الي حجم سكان الإسكندرية سنويا‏.‏ وهذه الشياخات التسع عشرة تمثل المناطق الحرجة والاولي بالرعاية وبالتنمية البشرية المتكاملة‏.‏ وتكاد تلك الظاهرة تتكرر في كل المراكز العمرانية في مصر مما يتطلب دراسة تحليلية لكل منها للوصول الي منابع النمو الرئيسية من ثم المناطق الحرجة علي خريطة الجمهورية لتصبح هي الأولي بالرعاية في مجالات التنمية تطبيقا للمبدأ العلمي المعروف‏:‏ أن التنمية هي احسن وسائل منع الحمل‏.‏

‏DEVELOPMENTISTHEBESTCONTRACEPTIVE.‏

وفي ضوء أتجاه معدل النمو السكاني في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ـ فإن اهم فروض التقديرات السكانية تري ان انخفاض مستوي الخصوبة الكلية سيستمر‏,‏ ويقدر ان يهبط من‏3.5‏ سنة‏1996‏ الي‏2.3‏ سنة‏2021,‏ وان يرتفع امد الحياة من‏67.1‏ سنة الي‏72.1‏ سنة‏,‏ ومن ثم يقدر ان يصل عدد سكان مصر الي‏91‏ مليون نسمة سنة‏2021,‏ وهذا التقدير ـ متوسط ـ ويمكن ان يفضي في حالة تحقيقه ـ الي معدل احلال يحقق الاستقرار السكاني سنة‏2030,‏ وعند هذا التاريخ تكون الخصوبة قد وصلت الي طفلين فقط للمرأة الواحدة في سن الإنجاب‏,‏ وتكون مصر قد تعدت حاجز المائة مليون نسمة بقليل‏.‏

وصفوة القول ان مصر تعيش الآن في قلب مرحلة التحول الديموغرافي الثالثة ـ أي المرحلة ذات النمو المتناقص‏.‏ ويصبح السؤال الملح هو هل ستصل الي مرحلة الاستقرار السكاني فعلا في ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين كما انتهت الي ذلك الفروض الموضوعة‏,‏ ام ان ذلك الهدف سيستغرق فترة اطول من ذلك ليصل الي الاربعينيات وربما الخمسينيات من هذا القرن؟ والواقع ان اجابة سؤال كهذا تظل مرهونة في المقام الاول بمقدرة المجتمع ومؤسساته علي تحقيق التنمية المناطق المتكاملة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا واداريا وتضافر الجهود لتنمية المناطق الحرجة علي خريطة الوطن وهي المناطق التي تسهم ـ اكثر من غيرها بالنصيب الاكبر في الزيادة السكانية المتوقعة في المستقبل‏.‏ كما ان ذلك يقودنا ايضا الي القول بان التراكم السكاني في المناطق المأهولة سيفضي بالضرورة إلي ماانتهت اليه بعض النظريات الطبيعية في نمو السكان مثل نظرية‏(‏ مايكل سادلر‏)‏ ونظرية‏(‏ كورادو جيني‏)‏ ـ وهي نظريات تري ان ميل البشر الي التزايد سوف يتناقص طبيعيا كلما زاد التزاحم البشري في المراكز العمرانية وان المقدرة علي الانجاب تتغير عكسيا كلما زاد عدد السكان في مساحة محدودة‏,‏ فأيهما سيتحقق اولا ا

لاستقرار السكاني من خلال التنمية ام من خلال العوامل الطبيعية البيولوجية‏,‏ ام من خلال الاثنين معا ؟ اغلب الظن ان الاحتمال الاخير هو الأرجح في ضوء التاريخ الديموغرافي لدول اخري وصلت الي المرحلة الاخيرة من مراحل النمو السكاني ـ اي مرحلة الاستقرار والثبات‏.‏

المصدر: الاهرام

المتعلقات:

عن المؤتمر القومي للسكان‏2008‏ بقلم‏:‏ الدكتور‏.‏ فتحي أبو عيانة

تدوينات اخرى:

الخريطة السياسية العربية في عالم متغير بقلم الدكتور فتحى أبو عيانة

تدوينات مرتبطة:

حول متغيرات المناخ و مصير الدلتا بقلم الدكتور محمد رياض

مصر.. ملامح دولة صنعت التاريخ بقلم الدكتور عاطف معتمد

اختفاء نهر النيل عن مجراه الطبيعي بقلم الدكتور حمدى هاشم

نظم المعلومات الجغرافية .. لعشاق ارتياد الأفاق فقط بقلم الباحث محمد المري

ثورة الجغرافيا بقلم الباحث مجدى موسى

دفاعًا عن السلطان عبد الحميد الثاني بقلم الباحث كريم عبد المجيد